بقلم / بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم
“محافظ بنك السودان السابق”
قد لا اكون (نيو ليبراليا) اقتصاديا إذا كنت أرى أن السوق، رغم أهميته، ليس قادرا وحده على تحقيق النمو المستدام أو العدالة الاجتماعية أو معالجة جميع الاختلالات الاقتصادية في اي مرحله من مراحل الاقتصاد. فالنيو ليبرالية تقوم على تقليص دور الدولة، وتحرير الأسواق، والخصخصة، وإزالة القيود التنظيمية، انطلاقا من افتراض أن المنافسة الحرة هي أفضل وسيلة لتخصيص الموارد الاقتصاديه بفعالية. غير أن التجربة العملية أظهرت أن الأسواق، خاصة في الدول الناميه، قد تنتج احتكارات ترفع الاسعار بصورة غير مسبوقه، وتفاقم التفاوت في الدخل والثروة، وقد تعجز عن توفير الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والحماية الاجتماعية لكل فئات الشعب بصورة عادلة. ترتبط (النيوليبرالية) ارتباطا وثيقا بمؤسسات نظام بريتون وودز، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. فعلى الرغم من أن هذه المؤسسات أنشات بهدف تحقيق الاستقرار المالي ودعم إعادة الإعمار والتنمية بعد الحرب العالميه، لكنها تبنت لاحقا سياسات اقتصادية انسجمت إلى حد كبير مع الفكر (النيوليبرالي). لا يوجد مؤسس واحد محدد لهذا الفكر (النيوليبرالي)، لكنه تشكل أساسا من أفكار فريدريش هايك الذي دعا إلى تقليص دور الدولة وتعزيز حرية الأسواق، إضافة إلى إسهامات الاقتضادى الامريكي ميلتون فريدمان الذي دعم الخصخصة وتحرير الاقتصاد وتقليل التدخل الحكومي. وتبلور المصطلح بشكل أوضح منذ ثلاثينيات القرن العشرين، ثم انتشر عمليا في الثمانينيات مع سياسات مارغريت تاتشر ورونالد ريغان، ليصبح تيارا اقتصاديا يركز على تحرير الأسواق وتقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي.
وقد تجسدت هذه المدرسة الفكرية في برامج الإصلاح الاقتصادي لصندوق النقد الدولى وبرامج التكيف او الاصلاح الهيكلي للبنك الدولى اللتا طبقتا في العديد من الدول النامية، و تضمنت تحرير التجارة والأسعار، وخصخصة المؤسسات العامة، وتقليص الإنفاق الحكومي، وتحرير أسعار الصرف، وتشجيع الاستثمار الأجنبي، وتقليص دور الدولة اقتصاديا. لكن العلاقة بين (النيوليبرالية) ومؤسسات بريتون وودز ليست علاقه تأسيسية منذ البداية، بل أصبحت هذه المؤسسات من أبرز القنوات الدولية لنشر وتطبيق السياسات الاقتصادية ذات التوجه (النيوليبرالي) في العديد من دول العالم.
ويرى مؤيدو هذه السياسات أنها ساعدت على تحسين الكفاءة الاقتصادية، وضبط الاختلالات المالية، وتشجيع النمو والاستثمار. أما منتقدوها فيرون أنها أدت، في كثير من الحالات، إلى زيادة وتيرة الاسعار ومن ثم اتساع دائرة الفقر والبطالة، و التفاوت الاجتماعي، وإضعاف الخدمات العامة، خاصة عندما طبقت بصورة سريعة أو دون مراعاة للظروف الاقتصاديه المحلية او لم تكن تتبعها اجراءات للمعالجات للفئات الاجتماعيه المتضرره منها.
رؤيتى ان الاعتماد المفرط على قوى السوق لن يؤدى الى التوازن المنشود بكفاءة وبصوره ميكانيكيه لان الاسعار والاجور في دول العالم الثالث غير مرنه والاسواق بعيده عن المنافسة الكامله، كما تؤدي (النيوليبراليه) إلى إضعاف دور الدولة في التخطيط والتنظيم وحماية الفئات الأقل دخلا، في اقتصاد يعاني من ضعف المؤسسات واختلالات هيكلية واحتكار فئات محددة للاسواق.
ومن هذا المنطلق، أميل اكثر ليس الى رؤية سوق حرة تشجع المبادرة والاستثمار والمنافسة في ظروف غير مواتيه وشروط لم تتحقق على الارض، بل الى دولة فاعلة تنظم النشاط الاقتصادي، وتوفر الخدمات العامة، وتعالج التشوهات السوقية، وتضمن توزيعا أكثر عدالة لثمار النمو الاقتصادي.
رؤيتنا ان التحدي في الدول الناميه كالسودان ليس في الاختيار بين نقيضين الدولة أو السوق، بل في العمل على إيجاد الظروف التى تحقق كلا منهما بفعاليه. المهم خلق التوازن الذي يحقق الكفاءة الاقتصادية والاستقرار والعدالة الاجتماعية معا بعد توفر الشروط المناسبه لكليهما، علما بان دور الدوله في الوضع الحالي هو الاقرب لتحقيق المطلوب مقارنه بالاعتماد على قوى العرض والطلب في اقتصاد مشوه بعيد عن المنافسة الكامله. لذلك فانا على الارجح لست (ليبراليا) اقتصاديا بل اقتصاديا كينزيا.











إرسال تعليق