بقلم / ياسر أبوريدة
في وقتٍ تعيش فيه البلاد واحدة من أعقد مراحلها، حيث الحرب والدمار يطال البنية التحتية، والمواطن يرزح تحت وطأة النزوح والفقد والمعاناة اليومية، يعلو على نحوٍ لافت ضجيج الميديا بحديثٍ متكرر عن عودة لجنة إزالة التمكين. وكأن الأولويات قد اختلطت، أو كأن الواقع المأساوي يمكن القفز فوقه بخطابٍ سياسي معاد تدويره.
الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن السودان اليوم ليس في لحظة ترفٍ سياسي، بل في قلب أزمة وجودية؛ دولة تتآكل مؤسساتها، ومجتمع يواجه تحديات البقاء، واقتصاد يترنح تحت ضغط الحرب. في مثل هذا السياق، يصبح من المشروع التساؤل: هل هذا هو التوقيت المناسب لإعادة طرح قضايا خلافية لم تُحسم بعد؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه انصرافاً عن جوهر الأزمة؟
إن تجربة لجنة إزالة التمكين، بكل ما حملته من أهداف وشعارات، كانت جزءاً من مرحلة سياسية سابقة، شابها كثير من الجدل حول العدالة والانتقائية وتسييس القرارات. ولم تُقدَّم حتى الآن مراجعة شاملة تُنصف التجربة أو تُصحّح مسارها. وبالتالي، فإن إعادة طرحها في هذا التوقيت الحرج، دون تقييم حقيقي، يثير مخاوف مشروعة من إعادة إنتاج ذات الأزمات.
الأخطر من ذلك أن الميديا، بدلاً من أن تنشغل بنقل معاناة الناس وتسليط الضوء على الكارثة الإنسانية، تنجرف أحياناً وراء تضخيم قضايا سياسية خلافية، وتصنع منها أولوية، في وقتٍ تحتاج فيه البلاد إلى خطاب يلمّ الشمل، لا يوسّع دائرة الانقسام.
إن الحرب لا تُدار بالشعارات، ولا تُواجه بإثارة ملفات خلافية، بل تحتاج إلى رؤية وطنية جامعة، تُقدّم مصلحة الوطن على ما سواها، وتعمل على إيقاف النزيف، وإعادة بناء ما دمرته الصراعات. أما الانشغال بإعادة إنتاج أدوات الماضي اليوم، الأولوية ليست لمن يعود إلى المشهد السياسي، بل لكيفية إنقاذ ما تبقى من الدولة، وكيفية حماية المواطن، وإعادة الاستقرار.









إرسال تعليق