كيف تُهدر الموارد حين تغيب الحوكمة ( محمية الدندر القومية نموذجًا)

  • بتاريخ : 28 مارس، 2026 - 8:17 ص
  • الزيارات : 185
  • بقلم/  الطيب مضوي شيقوق

    محامي  – مستشار قانوني

    في العالم المعاصر لم تعد المحميات الطبيعية مجرد مساحات خضراء معزولة عن النشاط البشري، بل أصبحت مؤسسات سيادية تُدار وفق فلسفة اقتصادية وقانونية دقيقة، تقوم على مبدأ أن حماية الطبيعة ليست ترفًا بيئيًا، بل استثمار طويل الأجل في الأمن الاقتصادي والغذائي والثقافي للدول. ولهذا، تبنّت دول كثيرة تشريعات صارمة وأنظمة إدارة مستقلة لمحمياتها، فاعتبرتها جزءًا من الموروث الوطني وركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد.
    في شرق أفريقيا، تحولت المحميات إلى مصدر رئيسي للدخل القومي، حيث تُدار وفق خطط علمية واضحة، وتُطبق القوانين دون استثناء، وتُربط مصالح المجتمعات المحلية مباشرة بعوائد الحماية، فتغدو الطبيعة موردًا متجددًا لا عبئًا إداريًا. هذه التجارب لم تنجح بسبب تفوق الطبيعة وحدها، بل بسبب وضوح الرؤية ونزاهة الإدارة واستقرار التشريعات.
    وسط هذه التجارب العالمية، تقف محمية الدندر الاتحادية في السودان كمفارقة مؤلمة؛ فهي من حيث المقومات الطبيعية لا تقل أهمية عن أشهر المحميات الأفريقية، بل تتفوق عليها في بعض خصائصها البيئية الفريدة. أُنشئت المحمية عام 1935 عقب اتفاقية لندن لعام 1933، وصُنفت لاحقًا ضمن شبكة محميات المحيط الحيوي العالمية منذ عام 1979، لما تمثله من موقع بيئي استثنائي يقع بين الإقليمين البيئيين الساحلي والإثيوبي، ولما تحتويه من أراضٍ رطبة موسمية تشكل محطات حيوية للطيور المهاجرة بين أوراسيا وأفريقيا. وتمتد المحمية على سهول طينية تغمرها مياه نهري الدندر والرهد، وتضم تنوعًا نباتيًا وحيوانيًا كبيرًا يشمل عشرات الأنواع من الثدييات والطيور والأسماك والزواحف، إضافة إلى نظم بيئية متعددة تجمع بين السافانا والغابات والأراضي الرطبة.
    غير أن هذه الثروة الطبيعية الهائلة لم تُقابل بإدارة مؤسسية على مستوى قيمتها. فالدراسات التي أُعدت خلال العقود الماضية، بما فيها خطط الإدارة المدعومة من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وصندوق البيئة العالمي والاتحاد الأوروبي، أكدت الحاجة المستمرة إلى تحديث الرؤية الإدارية وبناء قدرات مؤسسات الحماية، إلا أن التطورات المتلاحقة تجاوزت تلك الخطط، وبقيت المحمية تواجه تحديات متراكمة نتج معظمها عن عوامل بشرية، أبرزها الإهمال، وضعف الموارد، وسوء التنسيق المؤسسي.
    ومع مرور الزمن، بدأت الضغوط تتزايد على النظام البيئي للمحمية. فغياب تخطيط واضح لاستخدامات الأراضي في الولايات الثلاث المحيطة بها فتح الباب لتداخل السلطات وتضارب المصالح، بينما أدى ضعف القدرات الإدارية إلى تراجع تنفيذ القوانين القائمة. دخل الرعاة إلى داخل حدود المحمية رغم الحظر القانوني، وتوسعت الزراعة المطرية الآلية على أطرافها، وظهرت قرى مستقرة داخل نطاقها، وتكررت النزاعات بين الرعاة والمزارعين وسلطات الحماية. كما ساهم الصيد الجائر وتهريب الموارد الطبيعية من أخشاب وأسماك وحيوانات في استنزاف التنوع الحيوي بصورة متسارعة، في ظل بنية تحتية ضعيفة وحدود غير مرسمة بشكل نهائي بين الولايات.
    الأكثر خطورة أن المحمية بدأت تتحول تدريجيًا في الوعي العام من منطقة محمية بالقانون إلى مساحة مفتوحة للتفاوض والمصالح. فقد تصاعدت محاولات بعض أصحاب النفوذ للحصول على امتيازات اقتصادية داخلها، خاصة في مجال جني الصمغ العربي، بل ظهرت مساعٍ لاستصدار تصاريح زراعية داخل أراضيها، رغم أن قانون حماية الحياة البرية السوداني يحظر صراحة أي نشاط زراعي أو استيطاني أو استغلالي داخل المحميات القومية. وعندما يُرى القانون قابلًا للاستثناء، فإن هيبته تتآكل، وتتحول المخالفة الفردية إلى سلوك جماعي يصعب احتواؤه لاحقًا.
    المفارقة أن المجتمعات المحلية نفسها ليست سبب الأزمة بقدر ما هي إحدى ضحاياها. فغياب البدائل الاقتصادية والتنموية جعل الضغط على موارد المحمية خيارًا اضطراريًا للبقاء، بينما لم تُبنَ شراكة حقيقية تجعل السكان شركاء في الحماية ومستفيدين من عوائدها. وفي التجارب العالمية الناجحة، كان إشراك المجتمعات المحلية هو حجر الأساس في استدامة المحميات، إذ يتحول السكان إلى حراس طبيعيين عندما يشعرون بأن حماية البيئة تحمي مستقبلهم أيضًا.
    إن أزمة الدندر في جوهرها ليست أزمة بيئية فقط، بل أزمة إدارة موارد وطنية. فهي تكشف خللًا أعمق يتمثل في غياب الرؤية التي تنظر إلى الموارد الطبيعية كأصول استراتيجية طويلة الأجل، لا كمصادر منفعة قصيرة المدى. وبينما استطاعت دول أفريقية أخرى تحويل محمياتها إلى صناعات سياحية واقتصادية تدر مليارات الدولارات سنويًا، بقيت الدندر أسيرة التردد المؤسسي وتعدد مراكز القرار وضعف إنفاذ القانون.
    وإذا استمر الوضع على حاله دون إصلاح جذري، فإن المستقبل المتوقع لمحميّة الدندر سيكون قاتمًا. ستتراجع أعداد الحيوانات الكبيرة إلى مستويات حرجة نتيجة فقدان المواطن الطبيعية والصيد غير المنظم، وستتحول أجزاء واسعة من المحمية إلى مناطق نشاط بشري دائم، مما يؤدي إلى انهيار التوازن البيئي للنظام بأكمله. ومع اختفاء الجاذبية البيئية واندثار التنوع الحيوي، ستضيع فرص السياحة البيئية تمامًا، ولن تسهم المحمية في العائد القومي، كما ستتوقف أي فرص للبحوث العلمية ودراسات الحفاظ على الطبيعة التي كان يمكن أن تستفيد منها المؤسسات الأكاديمية والبيئية. لن تكون المشكلة مجرد خسارة بيئية، بل ضياع كامل لمورد اقتصادي وطني ثمين، نتيجة قرارات مؤجلة وإدارة غائبة، وعندها لن يكون السؤال كيف فقدت الدندر قيمتها، بل لماذا لم تُتخذ الإجراءات اللازمة حين كان الإنقاذ ممكنًا.