بقلم / نشوة أحمد الطيب
الزمن لم يتغير، نحن الذين تبدّلنا..
قبل نحو عشر سنوات، ما زلت أستحضر أدق تفاصيل مواقف عجيبة عشتها في الوسط الصحفي، تفاصيل لا تمحوها الذاكرة بسهولة، لأنها شكّلت وعيي المهني والإنساني معًا.
أتذكّر أنني كنت أعمل في إحدى المؤسسات الصحفية بقسم التحقيقات، حين انضمّت متدرّبة جديدة إلى قسم المنوّعات، وهو مسار إلزامي في التدرّج المهني للصحفي، يبدأ من الأقسام الصغيرة ويعبر محطات متعددة قبل الوصول إلى الأقسام الكبرى.
كانت المتدرّبة تأتي صباحًا، تجلس في صالة التحرير، تمسك الهاتف وتلتفت حولها، في أجواء يعرفها أهل الصحافة جيدًا: هدوء شبه كامل، كل صحفي منغمس في شاشته، سماعات الأذن حاضرة، بين تفريغ تسجيلات صوتية أو إعداد مادة صحفية.
كنت آنذاك أمتلك طاقة عمل هائلة، وشغفًا لا يلين بالمهنة. أنجز التكليف الواحد فأحوّله إلى أكثر من مادة، وأسابق الزمن لتسليم أعمالي، أحيانًا على حساب صحتي.
أذكر جيدًا تحقيقًا عملت عليه حول تلوّث مصانع في إحدى مناطق أم درمان. كان عملًا ميدانيًا شاقًا، يتطلّب زيارات سرّية للمصانع، وتواصلًا مباشرًا مع سكان الأحياء المتأثرة، وجمع إفادات موثّقة، ثم رحلة مواصلات طويلة من أم درمان إلى السوق العربي. عدت يومها منهكة إلى صالة التحرير، توضأت، صلّيت العصر، ثم جلست إلى أحد الحواسيب المشتركة، التي يلجأ إليها الصحفيون حين تكون أجهزة الأقسام مشغولة، أو حين يفضّلون عدم حمل حواسيبهم الشخصية خوفًا من السرقة في المواصلات.
بعد نحو ربع ساعة، جلست المتدرّبة إلى جواري، وبدأت تسألني عن الصحافة: متى التحقت بالمجال؟ كيف استطعت التعامل بثقة مع كبار الصحفيين؟ كيف ثبّت نفسي؟ وبحكم صدق رغبتها في الفهم، دخلنا في حديث مهني عفوي. تكرّرت هذه الجلسات أيامًا، في صالة التحرير أو داخل قسم التحقيقات، وتكوّنت علاقة طبيعية قائمة على الزمالة.
ونظرًا لحداثة سنّها وقلة خبرتها، وجدت من واجبي أن أنبّهها – بنية صادقة – إلى حدود التعامل المهني، خصوصًا في ما يتعلّق بالرجال داخل الوسط الصحفي، لا من باب التخويف، بل حمايةً لها. شرحت لها، بشكل عام، الأساليب التي قد تُستغل تحت غطاء “المساعدة المهنية”، وذكرت لها مثالًا لشخص بعينه: كيف قد يبدأ بشرح العمل الصحفي، ثم يقترح موادًا مثيرة للجدل و بها تحفظات كثيرة خاصة لدى النساء ، ثم يوفّر نفسه “دائمًا” في أي وقت متأخر للتسليم.
نصحتها بأن تنجز أعمالها مبكرًا، وألا تتأخر وحدها، وأن تسلّم أي مادة متأخرة عبر وسائل التواصل من المواصلات أو من منزلها. شَكرتني بامتنان، وغادرت.
بعد أيام، استدعاني ذلك الشخص إلى مكتبه، وسألني صراحة: “هل قلتِ للمتدرّبة فلانة كذا وكذا؟”. صُدمت، ليس فقط بسؤاله، بل لأنها نقلت حديثًا خاصًا قصدتُ به حمايتها ، لا أعلم فيما كانت تفكر ، و لماذا ، و ماذا استفادت المهم.. تطوّر الأمر، ووصل إلى رئيس التحرير، ثم أُغلق الملف عنده.
لاحقًا، استدعاني رئيس التحرير، وهو يضحك، وقال: “ صحبتك جات تشتكي من فلان” وتطلب التحويل من القسم، لكنني سلّمتها شهادة التدريب وانتهت فترتها. لا أظنها ستكمل في الصحافة أصلًا”.
منذ ذلك الموقف، أصبحت أكثر حذرًا. التزمت حدّ المهام المهنية الخالصة، ولم أعد أدخل مع أي متدرّب أو متدرّبة في نقاش خارج إطار المعلومة الصحفية البحتة.
اليوم، ومنذ أشهر، أتعامل مع عدد ١٠ من متدرّبي الصحافة دون انتماء مؤسسي، خالصًا لوجه الله. لكن ما أراه يُحزنني: كسل، وأعذار متكررة، وعدم إنجاز للتكاليف، واستهتار بالمهنة، وكأن الصحافة أمر عابر، أو كأن الجهد يقع على غيرهم. لا شغف، ولا سعي لبناء اسم أو بصمة.
أتذكّر بداياتي. كان مصروفي الجامعي بالكاد أتناول منه وجبة الإفطار. أركب مواصلة واحدة، وأقطع المسافة المتبقية سيرًا على الأقدام من السوق المركزي إلى جبرة، توفيرًا للمال. كنت أؤجّل طعامي لأجل الذهاب إلى الجريدة أو تغطية تكاليف العمل. لم أكن أطبع ملازم الدراسة (الشيتات) ، بل أنسخ من أوراق زميلاتي أو ألتقط صورًا بهاتفي. ومن هنا تحية صادقة لزميلتي ساجدة، التي لم تبخل عليّ يومًا دون حتى ان تسأل عن الظرف الذي يمنعني دائماً من شراء الشيتات أو طباعتها.
اجتهدت بفرص محدودة للغاية. أخرج من البيت صباحًا وأعود مساءً منهكة، حتى إنني كثيرًا ما كنت أنام قبل أن أتناول طعامي، بينما تسارع أمي – حفظها الله – بإلحاقي بلقمة أو كوب لبن، مرددة: “سجمك بتقعي تموتي”.
تفاصيل كثيرة لم أحكيها من قبل كم كنت مرهقة و متعبة و مريضة من الداخل و جائعة حتى لا أطلب من والدي زيادة مصروف الجامعة و لم أحكي له يوماً هذه التفاصيل .
كنت و لازلت أرى أن المتدرّب الحقيقي يصارع نفسه قبل الظروف. لا يستسلم للجوع، ولا لعدم توفر المال في يده ، ولا لصعوبة المواصلات، ولا لشُحّ الإمكانيات ، المشاوير التي سلكتها و مشيتها علي قدمي في فترة التدريب لا أظنني أنني يوما ما سأمشيها مجدداً طوال حياتي ، ولا أتمنى أن يُمحى من ذاكرة المهنة.
كنت أذهب لتكليف واحد فأخرج باثنين، حتى لا أتحمّل كلفة رجوع المواصلات . أكتب على مدار الساعة، أفرّغ التسجيلات الصحفية في المواصلات، أو بين محاضرات الجامعة، أو بعد صلاة الصبح أو في الجريدة . تخرجت بتقدير “جيد جدًا”، وأنجزت مشروع تخرج كان مجلة شبابية متكاملة، بمستوى مؤسسة صحفية قائمة.
تخرجت، وكنت معيّنة رسميًا في مؤسسة صحفية مرموقة.
لماذا أحكي هذه القصة الآن؟
لأنني أرى الفجوة تتسع بين وفرة التسهيلات التقنية اليوم، وبين ضمور الاجتهاد. العمل عن بُعد، وسهولة الوصول، والتطوّر الهائل… كل ذلك لم يُقابله شغف حقيقي لدى كثير من المتدرّبين، بل اعتماد كامل على أدوات جاهزة، بلا تعب، ولا معاناة، ولا إيمان برسالة الصحافة.
وكأن معنى أن تكون صحفيًا، يخدم مجتمعه، ويحمل همومه، حتى لو لم يُكافَأ فورًا، أصبح تفصيلًا هامشيًا.
و من وجهة نظري اعتقد ان الفارق الحقيقي… لا بين زمنين، بل بين عقليتين.
قد لا يراك المجتمع كصحفي و قد لا يرى تأثير قلمك في القضايا المجتمعية و لكن هذا لا ينفي من وجودك الصحفي.
“الصحافة رسالة و مسؤولية”









إرسال تعليق