ماذا تعلمنا من النزوح والشتات؟ من تجربة التهجير إلى فرصة اكتشاف ما تعلمناه

  • بتاريخ : 4 سبتمبر، 2026 - 7:35 ص
  • الزيارات : 1
  • بقلم: د. مختار خضر بشراب

    منذ اندلاع الحرب في السودان، انشغلنا، بحق، بأسئلة النزوح واللجوء والفقد: كم من الناس غادروا بيوتهم؟ كم من الأسر تفرقت؟ كم من الأطفال انقطعت دراستهم؟ وكم من الكفاءات وجدت نفسها خارج البلاد؟
    هذه الأسئلة لا يمكن تجاوزها، فهي تسجل جانبًا من الكلفة الإنسانية والاجتماعية الباهظة التي تحملها السودانيون. لكن هناك سؤالًا آخر ظل أقل حضورًا في نقاشنا العام: ماذا تعلم السودانيون من العالم الذي اضطروا إلى العيش فيه؟
    ليس المقصود أن نحول المأساة إلى فرصة بطريقة تتجاهل الألم، أو أن نفتش عن إيجابيات مصطنعة في تجربة دفع ثمنها ملايين الناس. فالنزوح ليس إنجازًا، والشتات ليس بديلًا عن الوطن، وما فقده الإنسان من بيت أو عمل أو أسرة أو استقرار لا تعوضه تجربة جديدة في بلد آخر.
    لكن المجتمعات لا تُقاس فقط بما يحدث لها، وإنما أيضًا بما تستطيع أن تفهمه وتتعلمه من تجاربها. وإذا كان ملايين السودانيين قد وجدوا أنفسهم في بيئات لم يختاروها، فمن الطبيعي أن نسأل: ماذا رأوا؟ وماذا تعلموا؟ وما الذي يمكن أن يعود إلى السودان من هذه التجارب؟
    لقد خرج السودانيون، بصورة قاسية وغير مخطط لها، إلى مساحة أوسع من العالم. عاشوا في مجتمعات مختلفة في أنظمتها وأساليب عملها وطريقة إدارة مؤسساتها وحياتها اليومية. رأوا مدارس ومستشفيات ومصانع ومزارع وجامعات وشركات تعمل بطرق مختلفة، وربما كانت أهم قيمة لهذه التجربة أن الإنسان، حين يخرج من البيئة التي اعتادها، يصبح قادرًا على رؤيتها من الخارج، فيكتشف أشياء لم يكن يلاحظها وهو يعيش داخلها.
    ولا يعني ذلك أن الخارج أفضل دائمًا، فلكل مجتمع مشكلاته وحدوده. لكن قيمة التجربة تكمن في المقارنة؛ فالإنسان لا يدرك دائمًا ما الذي يمكن تحسينه في بيئته إلا حين يرى طريقة أخرى لتنظيم الشيء نفسه. وربما كانت هذه واحدة من أهم الثروات غير المرئية التي أفرزتها تجربة الشتات: أن الأشياء يمكن أن تُدار بطرق متعددة، وأن ما اعتدناه ليس بالضرورة الطريقة الوحيدة الممكنة.
    في المجال الاقتصادي، عاش سودانيون تجارب متنوعة في التمويل والتأمين والمحاسبة وإدارة المشروعات والتجارة الحديثة وريادة الأعمال وسلاسل الإمداد. وقد تكشف هذه التجارب حقيقة تستحق التأمل: امتلاك الموارد وحده لا يصنع اقتصادًا قويًا. فالمشكلة ليست دائمًا في مقدار ما نملك، وإنما في الطريقة التي نحول بها ما نملك إلى إنتاج وقيمة وفرص.
    والسودان يملك ثروات مهولة وموارد بشرية وطبيعية واسعة، لكن المفارقة أن غنى الموارد لم يقابله دائمًا حسن في الإدارة ولا قوة في التخطيط. فما نملكه كثير، لكن إدارتنا ظلت ضعيفة وتخطيطنا فقيرًا، ولذلك لم تتحول هذه الثروات بالقدر الكافي إلى إنتاج وتنمية ورفاه للناس. فالمستقبل لا تحدده فقط كمية ما نملك، وإنما كيف ندير ما نملك.
    وينطبق الأمر على الصناعة والزراعة أيضًا. فقد اكتسب سودانيون خبرات في أنظمة الجودة والصيانة والسلامة والإنتاج وإدارة المخزون والرقمنة، كما شاهدوا تجارب متنوعة في الري الحديث والزراعة الدقيقة والطاقة الشمسية والتخزين والتصنيع الغذائي وسلاسل القيمة. وليست القضية أن نستورد تجارب الآخرين كما هي، وإنما أن نتعلم منها، ثم نختار ما يناسبنا ونكيفه ونختبره داخل واقعنا.
    وفي الجامعات ومراكز البحث والمستشفيات اكتسب أكاديميون وباحثون وأطباء سودانيون خبرات في البحث العلمي والتعاون المؤسسي وإدارة المختبرات والنشر والتدريب والجودة والسجلات الإلكترونية والصحة العامة. ولا ينبغي أن نختزل الاستفادة من هذه الخبرات في فكرة عودة أصحابها بصورة دائمة. فالمعرفة يمكن أن تنتقل أيضًا عبر المشروعات المشتركة، والتدريب، والإشراف العلمي، والعمل عن بُعد، والشراكات بين المؤسسات.
    أما التكنولوجيا فقد فتحت بابًا مختلفًا؛ إذ لم تعد الجغرافيا دائمًا عائقًا أمام المشاركة في سوق المعرفة العالمي. يستطيع السوداني أن يعمل في البرمجة وعلوم البيانات والتكنولوجيا المالية والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي من أي مكان، وأن يشارك في مشروعات داخل السودان أو خارجه. وهذه فرصة ينبغي التفكير فيها عند إعادة تعريف علاقة السودان بأبنائه في الخارج.
    ولعل أكثر ما يستحق التأمل هو ما تعلمه السودانيون عن طريقة عمل المؤسسات. فمن عاش في مؤسسات منظمة يدرك أن نجاحها لا يعتمد على وجود «الرجل القوي» بقدر ما يعتمد على النظام والإجراءات وتحديد المسؤوليات والمساءلة والتخطيط وإدارة المخاطر وتقييم الأداء. فالأشخاص يتغيرون ويغادرون، أما النظام الجيد فيحتفظ بالمعرفة ويمنح العمل استقرارًا لا يرتبط بشخص واحد.
    كما أن العيش في مجتمعات مختلفة يدفع الإنسان إلى إعادة النظر في بعض تصوراته عن الحياة العامة: التعامل مع الوقت والقانون، والعمل التطوعي، والمسؤولية الفردية، والعلاقة بين الفرد والمجتمع، وإدارة الاختلاف. وليس المطلوب أن نتبنى كل ما نراه، ولا أن نفترض أن نموذجًا واحدًا يصلح لكل المجتمعات، لكن المقارنة تمنحنا فرصة لنسأل: ما الذي نريد الاحتفاظ به؟ وما الذي يمكن تطويره؟
    والمرأة السودانية بدورها حملت من تجربة الشتات خبرات مهمة. فقد اتسعت أمامها مجالات العمل في الطب والأعمال والإدارة والتكنولوجيا والبحث العلمي وريادة الأعمال والتعليم والعمل الاجتماعي، وأظهرت التجربة أن كثيرًا من الطاقات كانت موجودة أصلًا، لكنها احتاجت إلى مساحة أوسع للظهور.
    وهناك أيضًا الأطفال الذين كبروا خارج السودان. هؤلاء يحملون، إلى جانب صلتهم بوطن أسرهم، لغات وتجارب تعليمية وعادات ومعرفة بمجتمعات أخرى. والسؤال ليس هل هم «سودانيون بما يكفي»، وإنما كيف يمكن أن يصبحوا جسرًا بين السودان والعالم، وأن تقوم علاقتهم بالوطن على المعرفة والتواصل، لا على الحنين وحده.
    ومع ذلك، علينا أن نكون صريحين: معظم ما تعلمه السودانيون من هذه التجارب ما يزال موزعًا بين الأفراد، ولم يتحول بعد إلى معرفة وطنية منظمة. هناك خبرات مهنية، وعلاقات علمية، ومشروعات، وشبكات واسعة، لكن وجودها متفرقًا لا يعني أنها أصبحت قوة وطنية. فالمعرفة الفردية شيء، والقدرة المؤسسية شيء آخر.
    وهنا ربما يصبح السؤال أهم من مجرد: متى يعود السودانيون؟
    علينا أن نسأل: ماذا تعلموا؟ وماذا يستطيعون أن ينقلوا؟ وما الذي يحتاجه السودان من هذه الخبرات؟
    وعندها يصبح مفهوم «هجرة العقول» بحاجة إلى نظرة أكثر مرونة. فالهجرة تعني، بلا شك، فقدانًا حقيقيًا للكفاءات، لكنها ليست بالضرورة نهاية العلاقة بين العقل والوطن. فالخبير يمكن أن يعيش خارج السودان ويشارك في الداخل، ويعمل عن بُعد، ويدخل في مشروع أو بحث أو تدريب. ليس المطلوب إعادة الجميع، وإنما جعل المعرفة تتحرك.
    ومن هنا نصل إلى مفهوم أوسع: عودة القيمة. فقد لا يعود الإنسان، لكن يمكن أن تعود خبرته. وقد لا يعود الباحث، لكن يمكن أن يعود البحث. وقد لا تعود التكنولوجيا في صورة جهاز، وإنما في صورة معرفة وقدرة على استخدامها وتطويرها.
    لكن الاستفادة من التجربة العالمية لا تعني استيراد نماذج الآخرين كما هي. فالقيمة الحقيقية تكمن في قدرتنا على التعلم، ثم الفهم والتكييف والاختبار وتوطين ما يصلح داخل واقعنا. فالمعرفة التي لا تمر عبر الواقع المحلي تبقى تجربة مستوردة، أما حين تُفهم وتُعدّل وتصبح جزءًا من البيئة المحلية، فإنها تتحول إلى معرفة وطنية.
    وربما لهذا ينبغي أن ننظر إلى الشتات السوداني بطريقة مختلفة: ليس بوصفه مجرد أعداد من الأشخاص المنتشرين خارج الحدود، وإنما بوصفه مخزونًا من الخبرات والتجارب والعلاقات والمهارات والمعرفة. لكن هذا المخزون لن يتحول إلى قوة إلا عندما نعرف ماذا نملك، وماذا نحتاج، وكيف نصل بين الاثنين.
    وهنا نعود إلى السؤال الذي بدأنا به: ماذا تعلمنا من النزوح والشتات؟
    إذا كان الجواب: كثيرًا، فإن الاختبار الحقيقي ليس في عدد القصص التي نحكيها عن البلدان التي عشنا فيها، وإنما في قدرتنا على تحويل ما رأيناه وعشناه إلى أفكار وممارسات وقدرات جديدة في السودان.
    فقد لا نستطيع أن نعيد كل ما فقدناه، ولا أن نعيد الزمن إلى الوراء، لكننا نستطيع أن نمنع هذه التجربة من أن تمر دون أن تترك وراءها معرفة.
    وربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن نبدأ به من الآن ليس: متى يعود السودانيون إلى السودان؟
    بل: متى يعود ما تعلمه السودانيون إلى السودان؟
    فقد لا يستطيع الجميع العودة، لكن المعرفة تستطيع، والخبرة تستطيع، والتكنولوجيا تستطيع، والفكرة تستطيع.
    وعندما تتحول هذه العناصر إلى قدرة وطنية، يمكن للسودان أن يستفيد من تجربة مؤلمة لم يخترها، لا بنسيان ما حدث، بل بتحويل بعض ما تعلمه أبناؤه إلى معرفة وقدرة تساعده على صناعة مستقبل أفضل.