بقلم / السفير الصادق المقلي
سادساً: رئيس مجلس السيادة والمدير التنفيذي للمحلية.. من يحكم ومن ينفذ*؟
ومن المفارقات اللافتة في خطاب البرهان بحلفا حديثه عن استعداده للجلوس حتى مع المدير التنفيذي للمحلية، للتفاكر حول هموم حلفا ومشكلاتها والعمل على حلها.
وقد يبدو ذلك للوهلة الأولى تعبيراً عن اهتمام رأس الدولة بمشكلات المواطنين، وهو اهتمام مطلوب من حيث المبدأ.
ولكنه يثير سؤالاً دستورياً وإدارياً بالغ الأهمية:
أين دور الجهاز التنفيذي المركزي والولائي والمحلي؟ وأين مسؤولية الوالي والوزراء والمديرين التنفيذيين، إذا كان رئيس مجلس السيادة نفسه يتولى متابعة التفاصيل اليومية للمحليات؟
إن وظيفة القيادة السيادية ليست الحلول محل أجهزة الإدارة التنفيذية، وإنما ضمان عمل مؤسسات الدولة وفق اختصاصاتها، ومساءلة المسؤولين عن أدائهم.
فإذا كانت هناك مشكلات في مياه الشرب أو الكهرباء أو الزراعة أو الخدمات المحلية، فإن الأصل أن تتولاها الجهات التنفيذية المختصة، وفق خطط وميزانيات وصلاحيات واضحة.
أما رئيس مجلس السيادة، فينبغي أن يكون دوره توجيه السياسات العامة ومتابعة الأداء على المستوى المؤسسي، لا إدارة التفاصيل التنفيذية بنفسه.
فلماذا لا يوجّه الوالي والجهات المختصة بإعداد خطة عاجلة لمعالجة مشكلات حلفا، مع تحديد المسؤوليات والموارد والجداول الزمنية، ثم تُعلن نتائج التنفيذ للمواطنين؟
إن الدولة لا تُدار بالوعود الشخصية من رأس السلطة، وإنما بمؤسسات فاعلة، واختصاصات واضحة، ومساءلة ومحاسبة.
وهنا تتجلى مشكلة أعمق في بنية الحكم السوداني، وهي اختلاط السلطات السيادية والتنفيذية، وغياب الفصل المؤسسي الواضح بين من يضع السياسات، ومن ينفذها، ومن يراقب الأداء ويحاسب المقصرين.
فإذا كان رئيس الدولة ينشغل بمهام المدير التنفيذي للمحلية، فمن يتفرغ لمعالجة القضايا المصيرية للدولة، وفي مقدمتها وقف الحرب، واستعادة الشرعية الدستورية، وإعادة بناء الاقتصاد، وإصلاح مؤسسات الحكم؟
إن قوة الدولة لا تقاس بمدى تدخل رأس السلطة في كل صغيرة وكبيرة، وإنما بقدرة مؤسساتها على العمل بكفاءة حتى دون تدخل مباشر منه.
سابعاً: الشمالية والزراعة والكهرباء.. أين كانت كهرباء السد العالي حين عطشت الأرض؟
في خطابه بحلفا، تحدث البرهان عن المشروعات الزراعية، وعن الكهرباء التي يمكن أن تأتي من مصر، مستحضراً السد العالي والتضحيات التاريخية لأهالي حلفا والشمال الذين غمرت المياه أراضيهم وديارهم عند إنشاء السد.
وهي تضحيات لا ينكرها أحد، ولا تزال حاضرة في الذاكرة الجمعية لأهل حلفا.
ولكن السؤال الذي كان ينبغي أن يسبق الوعود:
أين كانت كهرباء السد العالي، وأين كانت ترتيبات الإمداد الكهربائي البديل، حين انقطعت الكهرباء عن مشروعات الولاية الشمالية، وعطشت الأرض، وفشلت مواسم زراعية، وضاعت جهود المزارعين ومدخراتهم؟
لقد تعرضت مرافق الكهرباء السودانية لهجمات مدمرة خلال الحرب، بما في ذلك منشآت مرتبطة بسد مروي وشبكات النقل والتحويل، وتفاقمت أزمة الإمداد الكهربائي في الولاية الشمالية، التي تعتمد مشروعاتها الزراعية اعتماداً شبه كامل على الكهرباء في تشغيل طلمبات الري.
وتحدث مزارعون عن أشهر من انقطاع الإمداد، وتعطل الري، وتضرر المحاصيل والمواسم الزراعية.
فأين كانت خطط الطوارئ؟ وأين كانت البدائل؟ ولماذا لم تُوفَّر مصادر مؤقتة للطاقة للمشروعات الزراعية التي تمثل أحد أهم مصادر الأمن الغذائي والدخل للمواطنين؟
وإذا كانت كهرباء الربط مع مصر تمثل حلاً ممكناً، فلماذا لم تستطع تلبية الاحتياجات الحرجة حين اشتدت الأزمة؟ وما حدود الطاقة المتاحة فعلياً، وما العوائق الفنية والمالية التي حالت دون الاستفادة منها؟
هذه أسئلة تتطلب إجابات فنية واضحة، لا مجرد الإشارة إلى السد العالي بوصفه مصدراً محتملاً للكهرباء.
ثم إن البرهان وعد بحل مشكلات المشروعات الزراعية ودعمها.
ولكن من أين تأتي الموارد؟
فالدولة تعاني أزمة اقتصادية خانقة، وتراجعاً في الإيرادات العامة، وتكاليف حرب باهظة، وتدميراً للبنية التحتية، وتعطلاً واسعاً للإنتاج والخدمات.
فما مصادر تمويل إعادة تأهيل مشروعات الري؟ وما الاعتمادات المخصصة لها؟ وهل توجد خطة معلنة بمراحل تنفيذ وجداول زمنية، أم أنها وعود جديدة تضاف إلى سجل طويل من الوعود؟
إن إنقاذ الزراعة في الشمالية لا يحتاج إلى خطاب تعبوي، وإنما إلى برنامج اقتصادي محدد، يبدأ بإعادة تأهيل الكهرباء وشبكات الري، وتوفير مدخلات الإنتاج والتمويل، وتعويض المتضررين وفق آليات عادلة وشفافة.
فالمزارع الذي فقد محصوله لا يستعيد موسمه بالوعود، والأرض العطشى لا ترويها الخطب.







إرسال تعليق