بقلم: د. وعد علي الرضي محمد خالد
“كاتبة- طبيبة”
بين يدي هذا التحليلِ الوازن الذي سَطّرهُ قلمُ أستاذنا الجليل وعمنا المستشار الطيب شيقوق، نجدُ أنفسنا أمامَ “مُقاشفةٍ وطنيةٍ” تضعُ المِبضعَ على جُرحِ البلادِ النازف. وإنني، إذْ أستأذنُ مَقامكَ العالي –أستاذي– لأدلوَ بدَلوِي في هذا الفضاءِ السياسيِّ المعقد، فما أنا إلا تلميذةٌ تحاولُ قراءةَ ملامحِ الغدِ في مدرسةِ خِبرتكم، واضعةً رؤيتي هذهِ مَحطّاً لنقدكم؛ فإن وافقتْ صواباً فبفضلِ علمكم، وإن زلّتْ ففي رِحابةِ صدركم مَقيل.
لقد أجملَ المستشارُ فقهَ الضرورةِ في السودان حين تساءلَ عن حتميةِ تَقَدُّمِ السياسةِ على السلاح، ومن مَنظوري كمحللةٍ شابةٍ تنظرُ إلى مآلاتِ هذا الصراع، أطرحُ التعليقاتِ الآتية:
أولاً: “السيادةُ تبدأُ من استقرارِ الأنفس”
لقد لَمستَ وَجعاً حقيقياً في حديثكَ عن انهيارِ القوةِ الشرائية وأثر الجوع. وهنا أستحضرُ هدي النبي ﷺ حين قال: «مَنْ أصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا في سِرْبِهِ، مُعَافًى في جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا».
والتعليلُ هنا: أنَّ السياسةَ والهدنةَ ليستا ترفاً، بل هما الأداةُ الوحيدةُ لاستعادةِ هذه الأركان الثلاثة (الأمن، الصحة، القوت)؛ فالدولةُ التي يفتقدُ مواطنها “قوتَ يومهِ” تفقدُ مبررَ وجودها، ويصبحُ التفاوضُ لإنقاذِ الأرواحِ ضرورةً تسبقُ أيَّ مصلحةٍ ضيقة.
ثانياً: “فقهُ الإصلاحِ والتقارُب”
أشرتَ –أستاذي– إلى أزمةِ الثقةِ بين القوى المدنية والعسكرية، وهنا أجدُ المخرجَ في قوله ﷺ: «ألا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: إصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ».
والتعليلُ هنا: أنَّ “ذات البين” في السياسة هي “العقد الاجتماعي”؛ فالحروبُ لا تحلقُ الرؤوسَ بل تحلقُ الأوطانَ وتَمحقُ الاستقرار. لذا، فإنَّ الانتقالَ نحو السياسة ليس ضعفاً، بل هو “درجةٌ عُليا” من المسؤولية الوطنية التي تهدفُ لترميمِ النسيجِ الاجتماعي الذي مَزقتهُ سنواتُ التوجس.
ثالثاً: “تحدي الثقةِ وهندسةُ الانتقال”
أتفقُ معكَ تماماً في أنَّ العَقبةَ ليست في السلاح، بل في إرثِ التوجس. وإنني أرى أنَّ الخروجَ من نفقِ 1955 يتطلبُ “تصفيرًا للعداواتِ الأيديولوجية” أولاً؛ فالجيشُ القوميُّ والمدنيةُ الراشدةُ هما جَناحا طائرٍ واحد، ولا يمكنُ لأحدهما أن يُحلقَ في سماءِ الاستقرارِ دون الآخر.
أستاذي ومستشاري الجليل..
إنَّ ما سَطرتَهُ هو خارطةُ طريقٍ تضعُنا أمامَ مسؤوليتنا التاريخية. قد يحتملُ ردي هذا الخطأَ في ميزانِ التجربة، لكنني أضعهُ بين يديكَ طَمَعاً في التوجيه؛ فأنتم القاماتُ التي نقتفي أثرها، وبكم نَجسرُ الهوّةَ بين طموحِ الشبابِ وحِكمةِ الشيوخ.
دمتَ صوتاً للحقِّ وعيناً تَرعى مصلحةَ الوطن.











إرسال تعليق