من أرض الكنانة إلى أرض الوطن…سنوات أثقلت الروح وأرهقت القلب
تعقيباً على مقال المستشار الطيب مضوي شيقوق الذي جاء تحت العنوان أعلاه..
بقلم: م م الامام عبداللطيف الامام
بسم الله الرحمن الرحيم
العودة إلى الوطن بعد الغربة والنزوح ليست مجرد عبور حدود. هي لحظة إستعادة للذات، لِما تبقى من يقين بأن لهذا التراب رائحة لا تشبهها رائحة، وأن للانتماء جذوراً لا تقطعها سنون البعد ولا قسوة الحرب.
قرأت مقال الأستاذ المستشار الطيب مضوي شيقوق، فوجدت فيه صوت المغترب العائد الذي يحمل في قلبه فرح اللقاء وألم المشهد. وأجد نفسي مضطراً أن أكمل الصورة، لأن اللحظة التي نعيشها أكبر من أن تُختصر في وجدان فردي، وهي تحتاج إلى قراءة جماعية صادقة.
*العودة إلى وطن جريح…لكن حيّ*
عدنا إلى سودان أنهكته الحرب، وعبثت به آلة الدمار. مدن صارت أطلالاً، قرى هُجّر أهلها، بنى تحتية انهارت، وأرواح لم تلتئم بعد. لكن كما قال المستشار، رأينا شيئاً آخر: رأينا شعباً لم ينكسر.
رأينا الأم التي تفتح دكانها الصغير رغم الخراب، والشاب الذي يمسك معوله ليُزيل الأنقاض، والشيخ الذي يصلي في المسجد المتهدم ويقول: “السودان باقٍ”.
هذا الصبر ليس ضعفاً، بل هو رأس مالنا الحقيقي. شعب عرف الصبر في تاريخه كله، قادر اليوم أن يحوله إلى مشروع نهضة.
*الوطن لا يُبنى بالشعارات ولا بالانتقام*
السنوات الثلاث التي قضيناها بعيداً كشفت لنا حقيقة بسيطة: الوطن لا يُحفظ بالهتاف، ولا يُبنى بالكراهية.
الخراب الذي رأيناه لم تصنعه الطبيعة، بل صنعه انعدام الحكمة، وتغليب المصالح الضيقة على مصلحة الوطن، واستسهال حمل السلاح لحسم خلاف سياسي.
المستقبل لا يقوم على الانتقام ولا على الإقصاء. يقوم على قاعدة واحدة لا ثاني لها: المصالحة الحقيقية، والعدل الذي لا يفرق بين سوداني وسوداني، وسيادة قانون يُحتكم إليه الجميع.
لا سلام بلا عدالة، ولا استقرار بلا مساءلة، ولا نهضة بلا اعتراف بالخطأ وتصحيح المسار.
*دورنا نحن العائدون*
العودة ليست استراحة. هي إلتزام. نحن الذين رأينا تجارب شعوب أخرى، وتعلمنا من آلام الغربة، علينا أن نكون جسراً لا خندقاً.
جسراً ينقل الخبرة، والكفاءة، والروح الإيجابية إلى الداخل.
خندقاً ضد خطاب الكراهية، وضد اليأس، وضد من يريدون أن يبقى السودان أسيراً لدائرة العنف.
على المثقف، والمحامي، والطبيب، والمهندس والمعلم، والتاجر، والطالب أن يسأل نفسه كل صباح: ماذا قدمت اليوم للسودان غير الشكوى؟
الوطن يُبنى بالعمل الصادق، حتى لو كان العمل صغيراً. ترميم مدرسة، تنظيف حي، تدريس طفل، كلمة حق في مجلس. هذه هي اللبنات.
*رسالة إلى صناع القرار والمجتمع*
*إلى قواتنا المسلحة*: أنتم درع الوطن. مهمتكم اليوم ليست القتال فقط، بل حماية الإنتقال نحو دولة مدنية قائمة على القانون، وحماية المواطن أينما كان.
*إلى القادة السياسيين*: كفى مراهنة على الخارج، وكفى تسويقاً للوهم. السودان لا يُدار من الفنادق. اجلسوا مع بعضكم، ومع المجتمع، وإتفقوا على عقد إجتماعي جديد.
*إلى المجتمع*: لا تنتظروا الحل يأتي من فوق. أبدوا من تحت. من الحارة والمربع ، ومن الحي، من المبادرة الصغيرة التي تُعيد الحياة.
*الأمل ليس رفاهية*
نعم، الحزن في العيون موجود. لكن الأمل أيضاً موجود. السودان لم يمت، ولن يموت.
الأرض باقية، والنيل يجري، والإنسان السوداني معروف بعناده في مواجهة المحن.
ما مررنا به يجب أن يكون درساً قاسياً: الأوطان لا تُدار بالعاطفة وحدها، ولا تُحفظ بالشعارات. تُحفظ بالمحبة، بالتسامح، بالعمل، وبتقديم مصلحة الوطن على كل مصلحة.
*الخاتمة*
عدنا من أرض الكنانة إلى أرض الوطن، والقلب مثقل لكنه مملوء أملاً.
اللهم أرحم الشهداء، وأشفّ الجرحى، وأعِن النازحين، وأحفظ السودان من الفتن.
اللهم أجعلنا من الذين يبنون ولا يهدمون، ويجمعون ولا يفرقون، ويقولون كلمة الحق ولا يخافون فيها لومة لائم.
وكل التقدير للمستشار الطيب مضوي شيقوق على صوته الصادق، ولـ http://5wsnews.com على فتح المنصة للكلمة المسؤولة.
فالكلمة اليوم ليست ترفاً، بل سلاح بناء.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.











إرسال تعليق