من رماد الحرب إلى اقتصاد القيمة

  • بتاريخ : 21 مايو، 2026 - 2:32 م
  • الزيارات : 7
  • شراكة الجامعة ومشروع الجزيرة لإعادة صياغة مستقبل صناعة الجلود في السودان

    بقلم / علي محمد مكاوي
    “خبير وطني في المواصفات والبيئة والاستثمار”
    في الدول التي أنهكتها الحروب، لا يكون التحدي الحقيقي فقط في إعادة بناء الطرق والجسور والمباني، بل في إعادة بناء الاقتصاد المنتج القادر على خلق فرص العمل واستعادة الثقة وتحويل الموارد المحلية إلى قيمة مضافة. ومن هنا تبرز أهمية أي شراكة تجمع بين مؤسسات المعرفة والإنتاج، خاصة عندما يتعلق الأمر بقطاع يمتلك السودان فيه ميزات نسبية كبيرة مثل قطاع الجلود.
    إن التقارب بين جامعة الجزيرة ومشروع الجزيرة يمكن أن يشكل نقطة تحول استراتيجية في مسار الصناعة السودانية، إذا تم توجيهه نحو بناء منظومة حديثة لصناعة الجلود تعتمد على البحث العلمي والجودة والتقنيات الحديثة وسلاسل القيمة المتكاملة.
    السودان وثروة مهدرة اقتصاديًا
    يمتلك السودان واحدًا من أكبر القطعان الحيوانية في إفريقيا والعالم العربي، ما يجعله مؤهلًا ليكون قوة إقليمية في صناعة الجلود ومنتجاتها. إلا أن المشكلة التاريخية ظلت تتمثل في تصدير المواد الخام أو شبه الخام، مقابل استيراد المنتجات الجلدية المصنعة بأسعار مرتفعة.
    هذا النمط الاقتصادي يؤدي إلى:
    فقدان القيمة المضافة.
    ضعف التصنيع المحلي.
    انخفاض فرص العمل.
    تراجع الصادرات الصناعية.
    هشاشة الاقتصاد أمام الأزمات.
    ومن هنا تصبح صناعة الجلود ليست مجرد نشاط صناعي محدود، بل مدخلًا لإعادة هيكلة الاقتصاد الإنتاجي في السودان.
    لماذا الشراكة بين الجامعة ومشروع الجزيرة مهمة؟
    أولًا: ربط المعرفة بالإنتاج
    الجامعات لا ينبغي أن تكون مؤسسات أكاديمية معزولة عن الواقع الاقتصادي. بل يمكنها أن تصبح مراكز:
    للبحث التطبيقي،
    والابتكار الصناعي،
    والتدريب الفني،
    ونقل التكنولوجيا.
    وفي المقابل يمتلك مشروع الجزيرة:
    البنية المجتمعية،
    والامتداد الجغرافي،
    والقدرة على خلق سلاسل إنتاج متكاملة.
    وعندما يلتقي الطرفان، يصبح بالإمكان تأسيس نموذج تنموي جديد قائم على:
    “العلم + الموارد + الإنتاج + السوق”.
    صناعة الجلود ليست مدبغة فقط
    الخطأ الشائع هو اختزال قطاع الجلود في عمليات الدباغة التقليدية، بينما الحقيقة أن القطاع يشمل منظومة اقتصادية واسعة، منها:
    جمع وفرز الجلود.
    المعالجة الأولية.
    الصناعات الكيميائية المرتبطة بالدباغة.
    التصميم الصناعي.
    صناعة الأحذية والحقائب.
    الأثاث والمفروشات الجلدية.
    التغليف والعلامات التجارية.
    التسويق والتصدير.
    إعادة تدوير المخلفات والاستفادة منها.
    وهذا يعني أن القطاع قادر على:
    خلق آلاف الوظائف،
    وتحريك الصناعات الصغيرة والمتوسطة،
    وزيادة الصادرات غير البترولية.
    الجودة هي مفتاح التحول الحقيقي
    أي نهضة لصناعة الجلود في السودان لن تنجح بدون:
    المواصفات القياسية،
    وضبط الجودة،
    والتتبع،
    والسلامة البيئية،
    والتحول الرقمي،
    والحوكمة المؤسسية.
    وهنا تظهر أهمية دمج:
    أنظمة الجودة،
    وتقنيات الذكاء الاصطناعي،
    والتحليل الرقمي،
    والإدارة الحديثة لسلاسل القيمة.
    فالأسواق العالمية اليوم لا تشتري “المنتج” فقط، بل تشتري:
    الجودة،
    والاستدامة،
    والامتثال البيئي،
    والقدرة على التوريد المنتظم.
    من اقتصاد الخام إلى اقتصاد القيمة
    السودان يحتاج بعد الحرب إلى التحول من:
    اقتصاد تصدير المواد الخام، إلى:
    اقتصاد القيمة المضافة.
    ومن:
    الاستهلاك، إلى:
    التصنيع والإنتاج.
    ومن:
    الاقتصاد الريعي، إلى:
    الاقتصاد المعرفي الصناعي.
    وصناعة الجلود يمكن أن تكون أحد أسرع القطاعات القادرة على تحقيق هذا التحول، لأنها تعتمد على موارد متوفرة محليًا، ولها سوق داخلي وخارجي، كما أنها كثيفة العمالة وقادرة على استيعاب الشباب والخريجين والحرفيين.
    خاتمة
    إن إعادة بناء السودان لا تبدأ فقط من السياسة، بل من الاقتصاد المنتج القائم على المعرفة. وعندما تتحول الجامعة إلى شريك تنموي، ويتحول المشروع الزراعي إلى منصة للصناعة والقيمة المضافة، يمكن أن تولد من رحم الأزمة فرص حقيقية للنهوض.
    ومن رماد الحرب، قد تصبح صناعة الجلود أحد الجسور التي تعبر بالسودان من اقتصاد الهشاشة إلى اقتصاد الإنتاج والقيمة والسيادة الصناعية.

    علي محمد مكاوي
    خبير وطني في المواصفات والبيئة والاستثمار