عبد الوهاب الصادق: حين يغيب الفنان وتبقى «ست الريد» شاهدةً على الزمن الجميل

  • بتاريخ : 7 يونيو، 2026 - 8:08 م
  • الزيارات : 66
  • بقلم / الطيب مضوي شيقوق

    برحيل الفنان السوداني عبد الوهاب الصادق، لا تفقد الساحة الفنية مجرد مطرب ذائع الصيت، بل تفقد صفحةً كاملة من صفحات الزمن الجميل، وصوتاً ظل حاضراً في وجدان السودانيين لعقود طويلة، يرافق أفراحهم وذكرياتهم ويمنح لحظاتهم الخاصة شيئاً من الدفء والحنين.

    ينتمي عبد الوهاب الصادق إلى ذلك الجيل الذي شكّل ملامح الأغنية الشعبية السودانية في أبهى صورها، حين كانت الكلمة الصادقة واللحن العذب والأداء البسيط قادرة على الوصول مباشرة إلى القلب دون تكلف أو ضجيج. ومن خلال أعمال خالدة مثل «ست الريد» و«حبايبي الحلوين» و«من بعد ما فات الأوان» و«فريع البانة» و«الجرح جرحي براي» وغيرها، استطاع أن يحجز لنفسه مكانة راسخة في ذاكرة الشعب السوداني.
    ولعل الحديث عن عبد الوهاب الصادق هو في جانب منه حديث عن جيل كامل من الفنانين الذين صنعوا وجدان الناس في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. ذلك الجيل الذي تنتمي إليه أصوات مبدعة مثل أبو عبيدة حسن في تجلياته الفنية الرائعة، وأغنياته التي ما زالت تتردد في المجالس وتستدعي ذكريات الأيام الجميلة، وعلى رأسها «عقد الجواهر» وغيرها من الأعمال التي أصبحت جزءاً من الذاكرة الجمعية للسودانيين.

    كانت تلك الأغنيات أكثر من مجرد أعمال فنية؛ كانت مرآةً لمجتمع كامل، تعبّر عن مشاعره وأحلامه وأفراحه وأشواقه. لذلك لم يكن غريباً أن تبقى حية رغم مرور السنين، وأن تظل قادرة على استحضار صور الماضي بكل ما يحمله من بساطة ومحبة وصفاء.

    ومن بين هذه الأغنيات تظل «ما أحلى التصافي من بعد التجافي» حاضرة في الوجدان، بوصفها عملاً يتجاوز اللحن إلى المعنى الإنساني العميق، حيث يتحول التصالح بعد الخصام إلى قيمة وجدانية رفيعة، وإلى حالة من النضج العاطفي لا تصنعها اللحظة بقدر ما تصقلها التجربة والزمن.

    وهنا يستدعي الوجدان مشهداً من الذاكرة الأدبية العربية، حين التقى جميل بثينة بملهمته بثينة لأول مرة في وادي بغيض. فقد بدأ اللقاء بشيء من التوتر والخصام، قبل أن تتكشف الملامح شيئاً فشيئاً، وتتحول لهجة الخطاب من جفاءٍ وعداءٍ إلى تقاربٍ عاطفيٍ هادئ، يتعمق مع الزمن حتى قال جميل في لحظة ذلك التحول:
    “أول ما قاد المودة بيننا بوادي بغيض يا بثينة سباب”
    وفي هذا المعنى نفسه، تتردد أغنية «ما أحلى التصافي من بعد التجافي» كصدى وجداني لذلك التحول الإنساني الجميل، حيث يصبح الصلح ذروة الوعي، لا مجرد نهاية للخلاف.

    ومن هذا الأفق الإنساني الذي يجمع بين الشعر والغناء والذاكرة، تمتد الأمنية إلى واقعنا العام، إذ يتمنى المرء أن تنعكس هذه الروح على الشأن السياسي، وأن يتحول الجفاء بين الفاعلين السياسيين إلى تقارب وتفاهم، كما يتحول الخصام بين القلوب إلى تصافٍ ومودة.
    فالوطن لا ينهض في ظل الاستقطاب الحاد، ولا يستقيم أمره في ظل الصراع المفتوح، بل يتعافى حين يُستبدل خطاب الإقصاء بلغة الحوار، وتُستبدل القطيعة بثقافة التلاقي. وعندها فقط يمكن أن ينعم الشعب السوداني بالأمان والطمأنينة، وتستعيد الدولة معناها الحقيقي كفضاء جامع يتسع للجميع، لا ساحة تتنازعها الخصومات.

    لقد رحل عبد الوهاب الصادق جسداً، لكن صوته سيظل حاضراً كلما صدحت مكبرات الصوت بأغنية من أغنياته، وكلما استعاد الناس ذكرياتهم مع زمن كان للفن فيه مذاق مختلف، وكانت الأغنية تُصنع لتعيش لا لتُستهلك ثم تُنسى.
    وفي ختام الحديث عن هذا الفنان الذي أمتع الناس بصوته وأغنياته، لا نملك إلا أن نستحضر حقيقة أن الأعمار إلى زوال، وأن ما يبقى للإنسان هو أثره الطيب وسيرته الحسنة في قلوب الناس. وقد ترك الراحل عبد الوهاب الصادق إرثاً فنياً ظل يرافق أفراح السودانيين وذكرياتهم، فاستحق مكانته في سجل الأغنية السودانية.
    نسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدمه من خير ومودة وسعادة للناس في ميزان حسناته، وأن يكرم نزله، ويوسع مدخله، ويغسله بالماء والثلج والبرد، ويبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله، وأن يلهم أسرته ومحبيه وجمهوره الصبر والسلوان.

    رحم الله عبد الوهاب الصادق رحمةً واسعة، وجعل الجنة مثواه، وإنا لله وإنا إليه راجعون.