صرخةُ الميارم: حينَ تصبحُ المرأةُ السودانيةُ وطناً بديلاً لبلادٍ أضاعها الرصاص

  • بتاريخ : 29 مارس، 2026 - 6:21 ص
  • الزيارات : 30
  • ​بقلم: نفيسة حجر

    (نائب رئيس هيئة محامي دارفور)

    ​في الثامن من مارس، وبينما ينشغل العالم بتنميق الشعارات الاحتفالية، نقف نحن نساء السودان لنحمل وطناً كاملًا في حقائب سفرنا، ونخبئ في سويداء قلوبنا تفاصيل بيوتٍ سُكنت غباراً وجثثاً بفعل حربٍ عبثية لم تترك لنا سوى مرارة النزوح.
    إن صفتي اليوم كـ “امرأة سودانية لاجئة” ليست مجرد توصيف قانوني في دفاتر المفوضيات، بل هي شهادة حية على نجاةٍ اجتُرحت من رحم الموت الممنهج.
    فخلف الأرقام الجافة التي تسردها التقارير الدولية عن تجاوز أعداد القتلى حاجز الـ 150,000 ضحية، يختبئ جيشٌ عرمرم من “الأرامل الصامتات” اللواتي دُفنّ أحياء مع أزواجهن نساءٌ يواجهن اليوم القصف والجوع بصدورٍ عارية وأيدٍ خالية في بلدٍ انهار فيه كل سياج للحماية والكرامة. ولا تتوقف المأساة عند حدود الموت، بل تتمادى لتكشف عن خذلانٍ مرير حيث وجدنا أنفسنا نواجه أهوال الحرب في وقتٍ تخلّى فيه رجالٌ عن مسؤولياتهم بكل جبن، تاركين النساء يصارعن وحيداتٍ في ميادين البقاء، ليصبحن هن الحائط والجسر والوطن.
    إن الحقيقة الصادمة التي يجب أن يواجهها الضمير العالمي هي أن الأسر التي تعيلها نساء السودان تواجه خطر الموت جوعاً بثلاثة أضعاف غيرها، وأن 87% من بؤس مخيمات اللجوء يحمل ملامح النساء والأطفال، حيث تحولت المرأة إلى “الوطن البديل” الذي يلملم أشلاء العائلات المشتتة وسط غيابٍ تام للأمان.
    ورغم هذا الوجع الحاد، ورغم كابوس “الترمل المعلق” لآلاف النسوة اللواتي ينتظرن مفقوداً في غياهب المعتقلات أو تحت الأنقاض، يبرز صمود المرأة السودانية كفعل مقاومة أسطوري يتجاوز حدود الاحتمال البشري فهي التي تطوع القماش الممزق في الخيام ليصبح وطناً، وهي الأرملة التي جففت دموع الفقد لتمارس دور الأب والأم والدرع، وهي اللاجئة التي تبدأ من الصفر في بلاد الغربة متمسكةً بهويتها كوشمِ كبرياءٍ لا يمحوه البعد ولا تكسره الغربة. إنني اليوم، من موقعي هذا، أحيي تلك المقاتلات بلا سلاح من المحاميات والحقوقيات اللواتي يوثقن الجرائم، والطبيبات والمتطوعات اللواتي يداوين الجراح بأقل الإمكانيات، فصمودهن هو “الثورة” الحقيقية على اليأس والانكسار.
    نحن لسنا مجرد أرقام في إحصائيات الموت، بل نحن “الكنداكات” اللائي يقدن موكب العودة، والضمانة الوحيدة بأن هذا الشعب لن يموت ما دامت فينا امرأة ترفض السقوط، وتصر على أن يكون السلامُ هو الثمرة الوحيدة التي ستنبت يوماً من دماء هذا الصبر المر.