شِسع نعل كُليب… حين اجتمعت الحجة والرمز في خطاب الحارث

  • بتاريخ : 30 سبتمبر، 2026 - 4:26 م
  • الزيارات : 9
  • بقلم / م.م. الإمام عبداللطيف الإمام

    لم تكن قوة خطاب السفير الحارث إدريس، مندوب السودان لدى الأمم المتحدة، في حدّة الرد وحدها، ولا في العبارة التي أثارت الانتباه بعده، بل في قدرته على *الجمع بين صرامة الحجة وعمق الرمز الثقافي.*

    فقد واجه مندوب الإمارات بخطاب دبلوماسي متماسك، يعرف صاحبه ماذا يريد أن يقول، ولمن يقوله، وفي أي منبر يقوله. ثم، بعد أن أقام حجته على القانون والوثائق والمواقف، استدعى من الذاكرة العربية عبارة تختصر تاريخاً كاملاً: *«شِسع نعل كُليب».*

    وهنا تحديداً تكمن قوة الخطاب. فالحارث لم يستخدم الرمز بديلاً عن الحجة، ولم يلجأ إلى الثقافة لتعويض نقص في المنطق، *بل جعل العبارة خاتمة طبيعية لبناء متين سبقها.*

    تحدث بلغة الدبلوماسية، لكنه لم يسمح للدبلوماسية أن تتحول إلى ضعف. ناقش الحجج بالحجج، ورد على الاتهامات بالوثائق والمواقف، ودافع عن صورة الدولة السودانية وسيادتها، ورفض أن تُختزل بلاده في توصيف سياسي يصدر من خصم.

    *ليس صعباً أن ترفع صوتك في مواجهة خصم. الصعب أن ترفع حجتك. والحارث رفع حجته.*

    كان واضحاً في خطابه، مباشراً في رده، ولم يترك الاتهامات تمر دون تفكيك ومواجهة. وحين وصل إلى القضايا الأكثر حساسية، لم يكتفِ بالشعارات، وإنما أعاد النقاش إلى مساحات القانون والأدلة والمسؤولية السياسية.

    ثم جاءت العبارة التي اختصرت كثيراً مما أراد أن يقوله: «*شِسع نعل كُليب*». ثلاث كلمات فقط. لكن وراءها تاريخ طويل. فـ«الشِسع» هو سير النعل ورباطه، و«كُليب» هو كُليب بن ربيعة، الشخصية التي ارتبط اسمها في الذاكرة العربية بحرب البسوس، وبواحدة من أشهر قصص الثأر في التراث العربي.

    وقد ارتبط المثل للدلالة على أن *الشيء الذي يبدو صغيراً في ظاهره قد تكون له قيمة رمزية هائلة، وأن الإهانة أو الاستخفاف قد تحمل وراءها ما هو أكبر بكثير من ظاهر الكلمات.*

    وهنا كانت براعة الحارث. فهو لم يكتفِ باللغة الدبلوماسية الباردة، ولم يغرق في الانفعال. استخدم لغة يعرفها العربي، لغة تختصر تاريخاً كاملاً في كلمات قليلة. والأجمل أن العبارة لم تأتِ بديلاً عن الحجة. *جاءت بعد الحجة. وهذا فارق مهم.*

    فالحارث لم يقل للسودانيين: «انظروا كيف أغلظت على خصمي». بل قال للعالم، عملياً: لقد تحدثنا بلغة القانون والسياسة والأدلة، وحين يتعلق الأمر بكرامة السودان ودماء أهله، فإن لهذا الشعب أيضاً لغة وذاكرة لا يمكن تجاهلهما.

    لقد عرف كيف يدافع عن موقف بلاده دون أن يفقد لغة المنبر الذي يقف عليه. وهذه مهارة ليست سهلة. فمنبر الأمم المتحدة ليس منبراً شعبياً يمكن أن تربح فيه بالهتاف والتصفيق. *إنه مكان تُحسب فيه الكلمة، ويُقرأ فيه ما وراء الكلمة.*

    ولهذا فإن قوة خطاب الحارث لا تكمن فقط في العبارة التي انتشرت بعده. *قوته الحقيقية كانت في البناء الذي سبق العبارة.*

    ولأن الكلمات أحياناً تكون أكبر من ترجمتها، فإن من لا يعرف الثقافة العربية قد يسمع كلمات وينتهي الأمر. أما من يعرف تاريخ العرب، فسيسمع وراءها قصة كاملة. وهذا تحديداً ما يجعل العبارة ذكية. فهي ليست شتيمة سوقية، ولا انفلاتاً في التعبير. *إنها إشارة تاريخية كثيفة المعنى.*

    ومن هنا، فإن الثناء على الحارث لا ينبغي أن يكون بسبب «*شِسع نعل كُليب*» وحدها. فالعبارة جميلة، وقوية، وذكية. لكن الأهم أن
    *الرجل استحق العبارة بما سبقها من حجة.* وهذا هو الفرق بين من يستخدم الكلمات ليغطي ضعف حجته، ومن يستخدم الكلمة الأخيرة ليختم بها حجة قوية.

    لقد تحدث الحارث باسم السودان في واحد من أهم المحافل الدولية. وتحدث بثقة. ودافع عن بلاده دون تردد. ولم يسمح بأن تتحول الاتهامات الموجهة إلى السودان إلى حقائق مفترضة لمجرد تكرارها.

    ففي زمن كثرت فيه البيانات، وضاعت فيه الحقيقة بين الدعاية والدعاية المضادة، يصبح امتلاك حجة واضحة ولسان قوي وحضور واثق جزءاً من معركة الدفاع عن الدولة. *والحارث، في هذا الخطاب، امتلك الثلاثة.*

    أما «*شِسع نعل كُليب*»…
    فقد كانت تلك اللمسة التي جعلت الخطاب السوداني يخرج للحظة من قاعة الأمم المتحدة إلى فضاء أوسع بكثير: إلى ذاكرة العرب. إلى تاريخهم. إلى أمثالهم. وإلى ذلك المعنى القديم الذي لا يزال حاضراً حتى اليوم: *أن الكرامة لا تُقاس بحجم ما يُقال عنها، وإنما بحجم ما يستطيع صاحبها أن يدافع عنه.*

    ولذلك، نعم… يبقى من حقنا أن نقول للحارث إدريس: *أجدتَ في هذا الخطاب. قويت حجتك، وحضر منطقك، وكان لسانك بقدر الموقف.*

    لقد أثبت الرجل أن الدبلوماسية ليست انحناء الرأس، بل هي رفع الحجة.

    أما «*شِسع نعل كُليب*»…
    فلم تكن مجرد عبارة، *كانت إعلاناً بأن للسودان ذاكرة، وللسودان كرامة، وأن من يظن أن السودان يمكن أن يُباع ويُشترى في أسواق السياسة، فهو واهم.*

    *هي ثلاث كلمات فقط… لكنها وضعت حداً فاصلاً بين من يملك الحجة، ومن لا يملك إلا الضجيج.*