أم ضوًا بان /| ياسر أبوريدة
لم يكن تشييع الشيخ الطيب الجد الشيخ العباس مجرد مناسبة وداع، بل لحظة كاشفة لعمق ما تركه الرجل في وجدان الناس. هناك، في مقابر الحصايا بأم ضوًا بان، لم تتزاحم الأقدام بقدر ما تلاقت القلوب على معنى واحد: أن الكبار لا يُشيَّعون وحدهم، بل تُشيَّع معهم قيمٌ كاملة.
وسط هذا المشهد، حضرت قبيلة المسلميّة بما يليق بالمقام، عبر وفدٍ تقدّمه الناظر مصطفى عبد الكريم محمد المبارك، ناظر القبيلة بالقضارف ورئيس مجلس شورى المسلميّة، في مشاركةٍ لم تكن بروتوكولية، بل تعبيرًا صادقًا عن وفاءٍ متجذّر. وضمّ الوفد كوكبة من عُمد ورموز القبيلة: العمدة حسن الخليفة إبراهيم، أحمد عبد القادر أبوعشر، عطاء المنان إبراهيم، محمد علي حسن، عبد المنعم الهادي أبوعشر، الأمين الهادي، مختار عبد القادر، محمد مبارك عبد الكريم، مدثر بابكر، حمزة محمد عبد القادر… أسماءٌ حضرت لتقول إن الرجال يُعرفون في المواقف.
ما قاله الناظر في لحظة الوداع لم يكن خطابًا عابرًا، بل قراءةً مكثّفة لمعنى الخسارة: أن يغيب من كان يُطفئ نار الخلاف قبل أن تستعر، ويجمع ما تفرّق حين تضيق السبل. برحيل الشيخ الطيب الجد، لا يفقد السودان رجلًا من رجالاته فحسب، بل يفقد ميزانًا كان يردّ الأشياء إلى نصابها، وصوتًا كان يُعلي الحكمة حين يعلو الضجيج.
هذه هي الفجوة الحقيقية التي يتركها الراحلون الكبار؛ ليست في مواقعهم، بل في قدرتهم على ترميم ما ينكسر في الناس. كانوا جسورًا بين المختلفين، فإذا غابوا بدت المسافات أبعد، والكلمات أقل أثرًا.
ومع ذلك، فإن ما يخفف وطأة الفقد أن أثرهم لا يُدفن؛ يظل ممتدًا في سيرةٍ تُروى، ومواقف تُستعاد، وقيمٍ تتوارثها الأجيال. هكذا فقط يُقاس الرجال: بما يتركونه من نورٍ بعد الرحيل.
رحم الله الشيخ الطيب الجد، وجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وألهم أهله ومريديه ومحبيه الصبر… وأبقى في هذا الوطن من يسيرون على درب الحكمة ذاتها.











إرسال تعليق