بقلم: د. سعاد فقيري
في أوطانٍ أنهكتها الأزمات، وأثقلتها التحديات، تظل المواقف الصادقة هي المعيار الحقيقي الذي تُعرف به معادن الرجال، وتبقى الأفعال وحدها قادرة على إحياء الأمل حين تتراجع الثقة، وتضيق مساحات الرجاء. فليس رجل الدولة الحق من يُجيد الحديث عن المسؤولية، بل من يحمل أعباءها، ويقترب من هموم الناس، ويجعل من موقعه العام رسالةً للعطاء، لا امتيازاً للسلطة.
ومن هذا المنطلق، تبرز في المشهد السوداني الراهن نماذج تستحق التوقف عند تجربتها، والإشادة بما تبذله من جهد في سبيل خدمة الوطن ومؤسساته. وفي مقدمة هذه النماذج، يلفت الانتباه ما نشهده من تحركات لوزير التعليم العالي والبحث العلمي، الذي اختار أن يجعل من العمل الميداني والسعي العملي مدخلاً لمعالجة التحديات التي تواجه قطاعاً يُعد من أهم ركائز نهضة السودان واستعادة عافيته.
*التعليم العالي.. قضية وطن لا مجرد حقيبة وزارية*
إن التعليم العالي ليس مجرد مؤسسات تمنح الشهادات، ولا قاعاتٍ تستقبل الطلاب، ولا مناهج تُدرَّس ثم تُطوى صفحاتها؛ بل هو عقل الأمة، وذاكرتها العلمية، ومصنع كوادرها، وأحد أهم مفاتيح نهضتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وفي ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها بلادنا، وما أصاب مؤسساتها التعليمية من اضطراب وتحديات، تصبح مسؤولية قيادة هذا القطاع أكبر من حدود الإدارة التقليدية؛ إذ تتطلب رؤيةً واعية، وإرادةً لا تلين، وقدرةً على تحويل الإمكانات المحدودة إلى فرص، والعقبات إلى مسارات للحلول.
ولعل ما يستحق التقدير في هذا السياق هو ألا تظل جهود دعم الجامعات والأساتذة والطلاب حبيسة الخطط والتصريحات، بل أن تنتقل إلى خطوات عملية تستجيب للاحتياجات الحقيقية، وتحفظ كرامة الأستاذ الجامعي، وتصون مستقبل الطالب، وتعيد للمؤسسات الأكاديمية قدرتها على أداء رسالتها الوطنية.
*حين يلتقي التعليم بالاقتصاد.. تبدأ الحلول الحقيقية*
ومن بين التحركات التي تستحق الاهتمام، اللقاء الذي جمع وزير التعليم العالي والبحث العلمي بمحافظ بنك السودان المركزي، آمنة ميرغني، لبحث إنشاء محفظة مالية مخصصة لأساتذة الجامعات.
إن أهمية هذه الخطوة لا تكمن في بعدها المالي وحده، وإنما في رسالتها المعنوية والمؤسسية؛ فالأستاذ الجامعي الذي يقف أمام طلابه ليصنع الوعي، ويُنمّي المعرفة، ويُعد أجيال المستقبل، يستحق أن يجد من الدولة ما يعينه على أداء رسالته في ظروف تحفظ كرامته واستقراره.
إن التفكير في آلية مالية مخصصة لهذه الفئة يعكس توجهاً نحو البحث عن حلول تتجاوز المعالجات المؤقتة، وتفتح الباب أمام شراكات مؤسسية يمكن أن تسهم في تخفيف الأعباء المعيشية عن الأساتذة، متى ما استكملت الدراسات اللازمة، وتحددت مصادر التمويل، ووُضعت الضوابط التي تضمن الشفافية والعدالة والاستدامة.
وهنا تتجلى قيمة الإدارة التي لا تكتفي بتشخيص المشكلة، بل تبحث عن أبواب الحل، وتطرق المؤسسات المعنية، وتجمع الإرادات حول هدف مشترك.
فحين يلتقي التعليم بالقطاع المصرفي، وحين تتحول احتياجات الأستاذ الجامعي إلى قضية مطروحة على طاولة المسؤولية، فإننا نكون أمام خطوة تستحق التشجيع، والأهم من ذلك أن تستكمل مسيرتها حتى يرى أثرها المستفيدون على أرض الواقع.
*الإخلاص ليس كلمات.. بل مواقف تُقاس بالنتائج*
لسنا في حاجة إلى مزيد من العبارات المنمقة عن النهضة، بقدر حاجتنا إلى مسؤولين يؤمنون بأن المنصب تكليف، وأن خدمة المواطن أمانة، وأن نجاح المؤسسات لا يتحقق بالشعارات، وإنما بالمتابعة والمحاسبة والإنجاز.
ومن الإنصاف أن نُقدّر كل جهد مخلص، وأن نشجع كل مبادرة جادة، وأن نمنح المسؤول الذي يسعى إلى فتح مسارات جديدة للحلول مساحةً من التقدير، دون أن نتخلى عن حقنا في متابعة النتائج وتقييم الأداء.
فالإشادة الحقيقية ليست مجاملة عابرة، بل ثقافة وطنية تُنصف المجتهد، وتحفز المبدع، وتدفع المسؤول إلى المزيد من العمل. كما أن النقد البنّاء ليس خصومة مع المسؤول، بل وسيلة لضمان أن تصل ثمار الجهد إلى المواطن الذي ينتظر من الدولة حلولاً ملموسة تمس حياته ومستقبله.
إننا نريد إدارةً تجعل الأستاذ الجامعي في مقدمة أولوياتها، والطالب في قلب سياساتها، والجامعة شريكاً أصيلاً في إعادة بناء السودان. نريد حلولاً تحفظ للعالم مكانته، وللمؤسسة الأكاديمية استقلالها وكفاءتها، وللأجيال القادمة حقها في تعليم مستقر ومتطور.
رسالة تقدير..
وأمل في القادم
فماذا نقول في رجلٍ يسعى، وسط هذا المشهد المثقل بالتحديات، إلى تحريك الملفات وفتح أبواب المعالجة والبحث عن بدائل تخدم مؤسسات التعليم العالي ومنسوبيها؟
نقول إن الأوطان تحتاج إلى رجالٍ لا يستسلمون لصعوبة الواقع، ولا يجعلون من الأزمات مبرراً للتراجع، بل يتعاملون معها باعتبارها مسؤولية تستوجب التفكير والعمل والمبادرة.
ونقول إن تقدير الجهود المخلصة واجب، وإن دعم المبادرات الجادة ضرورة، وإن الأمل في إصلاح التعليم العالي لا ينفصل عن الإيمان بقدرة المؤسسات السودانية على النهوض متى توافرت لها القيادة الواعية، والموارد الكافية، والإرادة الصادقة.
ولوزير التعليم العالي والبحث العلمي نقول: إن الطريق إلى النهضة طويل، لكن الخطوات العملية هي التي تصنع الفارق، وإن المبادرات التي تمس حياة الأساتذة والطلاب تستحق أن تُستكمل، وأن تُتابع نتائجها، وأن تتحول إلى سياسات مستدامة يشعر المواطن بأثرها.
فالسودان اليوم لا يحتاج إلى إدارة الأزمات فحسب، بل يحتاج إلى صناعة الأمل، ولا يحتاج إلى الوعود وحدها، بل إلى إنجازات تتراكم حتى تستعيد مؤسساته عافيتها، ويستعيد أبناؤه ثقتهم في المستقبل.
ختاماً، نرفع أسمى آيات التقدير لكل جهد صادق يُبذل من أجل الوطن، ولكل مسؤول يجعل من موقعه العام جسراً لخدمة الناس، ولكل يدٍ تمتد لتخفيف المعاناة وبناء المستقبل.
نسأل الله أن يبارك في كل خطوة مخلصة، وأن يوفق القائمين على أمر التعليم العالي إلى ما فيه خير الأساتذة والطلاب والجامعات، وأن يجعل العلم منطلقاً لنهضة السودان، وكرامة الإنسان، واستعادة مكانة الوطن.
*فالأوطان لا تنهض بكثرة الوعود، وإنما برجالٍ يحوّلون المسؤولية إلى عمل، والإخلاص إلى إنجاز، والأمل إلى واقعٍ يلمسه الناس.*
*الوطن فوق كل اعتبار.*






إرسال تعليق