حاطب ليل|| د عبد اللطيف البوني
من صحف السودان التاريخية العريقة الايام والصحافة… الأولى كانت شراكة بين الأساتذة بشير محمد سعيد ومحجوب محمد صالح ومحجوب عثمان اما الصحافة فقد كان مالكها ومؤسسها الاستاذ عبد الرحمن مختار ..اممت مايو الصحيفتين ضمن بقية الصحف الأخرى … بعد سقوط مايو بانتفاضة أبريل ١٩٨٥ رأت الحكومة الانتقالية ان يكون في البلاد هاتين الصحيفتين فقط الي حين صدور قانون الصحافة… الذي ينهي احتكار الدولة للعمل الصحفي وعودة الصحافة المستقلة….
مع اجواء الحرية التي سادت بعد الانتفاضة انتشرت الصحيفتان انتشارا غير مسبوق… حيث أن هناك اجيالا نشأت في الحقبة المايوية تحت الكبت الاعلامي …يومها لم يكن هناك فضائيات ولا صحافة متخصصة رياضية أو فنية ..الصحافة والايام فقط مع حرية تعبير لا سقف لها الا التعدي على الحرمات ..فلك ان تتخيل سعة انتشار هاتين الصحيفتين
اسندت الحكومة رئاسة تحرير الصحافة للأستاذ على حامد وهو صحفي عريق ومشهور قبل مايو ١٩٦٩ ومدير التحرير الاستاذ شريف طمبل وسكرتير التحرير الاستاذ نورالدين مدني …رحمهم الله جميعا ..نور الدين كان من الكوادر الجامعية التي رأى الدكتور جعفر بخيت رفد الصحافة بها أثناء العهد المايوي وكانوا حوالى أربعة عشر (كوكبا) هكذا لقبوا .. ..وقدموا للصحافة من خلفيات أكاديمية مختلفة إذ انه يومها لم يكن هناك كليات صحافة واعلام فنور الدين كان خريج علم اجتماع ..وكان يعمل باحثا اجتماعيا بمؤسسة السجون
ابتدعت صحيفة الصحافة في صفحتها الأخيرة فكرة الاستراحة وهي عبارة عن حيز يومي يتناوب على الكتابة فيه رموز اجتماعية مشهورة … يكتبون خواطر حرة أقرب للفضفضة واذكر من هؤلاء الاساتذة محمد توفيق ونقيب المحامين عبد الله الحسن وعبد الوهاب بوب وعبد الوهاب موسى واخرين رحمهم الله جميعا وكانت تلك الاستراحة الأكثر مقرؤية … فالواحد من كتابها يقدم لك معلومات في غاية الأهمية والخطورة في قالب طريف ولطيف …واحيانا في قالب ساخر …خاصة صاحب الجمرات محمد توفيق . لقد كانت كتابات مدهشة على الاقل بالنسبة لجيلنا الذي لم يشهد صحافة ما قبل مايو…
كتبت مادة واودعتها استقبال صحيفة الصحافة التي كانت في شارع علي عبد اللطيف .. على أمل أن تنشر في بريد القراء في الأسابيع القادمة وكان ذلك في يوم خميس …عندما جئت يوم السبت للخرطوم ووقفت عند صاحب الكشك الذي تعودت شراء الصحف منه وكان يبرني بحجز الصحيفة لي مع أخبار اليوم ومجلة صباح الخير المصريتان ..فبادرني بالقول (شنو يا اخونا طوالي كده تبدأ من فوق) لم افهم قصده وبعد اخذ ورد معه قال لي أنني كاتب اليوم في استراحة الصحافة.. ناولني الجريدة فلم أصدق عيني…
بعد ثلاثة أسابيع كررت المحاولة فتم نشر المادة في نفس المكان… وبعدها باسبوعين حدث نفس الشي …وفي المرة الرابعة استوقفني موظف الاستقبال قائلا انت مش فلان ؟اجبته بالايجاب… فقال لي ياخي لي زمن كايس ليك استاذ نور الدين قال لي اقبض لي الزول دا وجيبو لي… وانا ما لأمي فيك… انت بتخت رسالتك وتمشي .سالته لماذا يسال عني ؟ ..فاستغرب من سؤالي فاجاب انه سكرتير التحرير فقلت له أنني اعرف نور الدين البكتب كلام الناس .. لكن ما عارف سكرتير التحرير وظيفته شنو . …فامسكني من يدي بي ودلف الي مكتب الاستاذ نور الدين قائلا امسك يا استاذ قبضتو ليك وكانه يقدم له هدية ثمينة
بعد السلام حق الله بق الله …طلب مني صورة باسبورت وقال لي انه يفكر في تثبيت يوم لي في الاستراحة اذا كانت ظروفي تسمح …ومن المفارقات وانا جالس معه دخل عليه شخصا مهيبا ومعروفا لديه وكان محتجا لدرجة الهياج لعدم نشر مادة قدمها للأستاذ … فاشار لي نور الدين قائلا له شوف الزول دا انا اول مرة اشوفه اليوم ..ونشرت له ثلاثة مرات وفي الاستراحة كمان .. نحن بنعرف المادة المكتوبة وما بنعرف الكاتب … ..وانا خارج من مكتبه دلف بي الي مكتب الاستاذ طمبل ثم مكتب الاستاذ علي حامد فسلمت عليهما ..لقد بدأ لي فيما بعد أن تلك اللحظات التي عشتها معه كانت بمثابة التعميد لي في عالم الصحافة … لذلك ساظل ممتنا لهذا الرجل العظيم ما كتبت حرفا في جريدة ….وفيما بعد توطدت صلتي به إذ عملت معه لسنوات طوال خاصة في صحيفة السوداني حيث كان مكتبه مفتوحا وقلبه أكثر انفتاحا …يحترم الكبير والصغير وغارق في المهنة ومعلما لاجيال من الصحفيين…
أكثر ما يميز استاذنا الراحل وفاقيته إذ لا يعرف الحواجز السياسية في تعامله الأخوي والإنساني مع الآخرين …نعم له مواقفه السياسية التي يدافع عنها بكتاباته الراقية ذات النهج السهل الممتنع ولكنه يتعامل مع كافة الاطياف السياسية الأخرى بود احترام ففي مكتبه تجد اليساري واليميني والمتطرف والمعتدل والرياضي والمغني حتى الخالي من الموهبة إذ لديه قدرة غير عادية في التحمل .كنت كلما اقف عند باب مكتبه اترنم بأغنية عبد الوهاب الصادق مع شوية تحريف (كلام( الناس) كله قلتهو بس كلامي انا الماعرفتوه) فيرد قائلا ياخي والله كلامك بنقراه اول بأول ولا قاعدين ننتظر نشره …..أخشى ما أخشاه الان ان تكون هذة الوفاقية وتقبل الاخر قد انتهت في الوسط الصحفي ويكون استاذنا نور الدين من آخر العظماء في هذا المجال… واخشي ان يكون برحليه تكون قد انطوت هذة الصفحة البيضاء …فاللهم ارحمه وأكرم نزله واجعل قبره روضة من الرياض الجنة واجعل البركة في عقبه ..









إرسال تعليق