حين يُختزل المستقبل في الهروب

  • بتاريخ : 16 مارس، 2026 - 1:01 م
  • الزيارات : 39
  • بقلم/ د. رناد أبو كشوة
    “اختصاصي طب الأسنان، مدير مركز ابو كشوة لتطوير الزراعة”

    قرأتُ نصًا متداولًا هذه الأيام،
    وتوقفت عنده طويلًا…
    ليس لأنه رأي فردي،
    بل لأنه يعكس خطابًا بدأ ينتشر بهدوء،
    خطاب يُقدِّم الخروج من السودان كأنه الخيار الوحيد،
    ويزرع اليأس في نفوس من لا يستطيعون المغادرة،
    ويجعل بعض الشباب يقبلون بوظائف لا تليق بقدراتهم ولا كرامتهم
    فقط من أجل كلمة واحدة: الخروج.

    هذا النوع من الخطاب لا يناقش الواقع بعمق،
    بل يختصره في الخوف،
    ويحوّل الهجرة من خيار إلى قدر محتوم.

    النص المتداول:

    لو قادر تمرق برا السودان… وتفتش وظيفة وتلقى شغلة محترمة… ابقى مارق طوالي وما تتردد.

    السنين الجاية كلها حتكون سنين تضخم وعطالة وبطالة، الحرب وقفت أو ما وقفت.

    ولو حتمرق لمكان ما فيهو شغل وبرضو نفس الوضع، خليك في السودان ودور في التجارة، وما تعتمد على مرتب شهري.

    لحدي ما تلم قروش عشان تسافر لي مكان فيهو شغل أحسن.

    عود عينك في الضلمة تشوف.

    تعقيبي على هذا الطرح من وجهة نظر مزارعية

    دعوني أكون واضحة:
    أنا لست ضد السفر،
    ولا ضد الهجرة،
    ولا ضد البحث عن فرصة أفضل.

    الطبيب،
    المهندس،
    و كل صاحب تخصص …
    إذا اغتربوا، كثيرًا ما يستطيعون تحقيق دخل محترم وخبرة حقيقية.

    لكن ليس كل اغتراب نجاحًا،
    وليس كل خروج غِنى.

    هناك فرق كبير بين:

    الهجرة التي تُضيف قيمة

    والهروب الذي يستنزف العمر والكرامة

    أن يقبل شاب واعٍ بوظيفة لا تليق به،
    لمجرد أنه “خرج”،
    فهذه ليست نصيحة…
    هذا استبدال أزمة بأخرى.

    تجربتنا مع الزراعة: واقع لا تنظير

    في أبوكشوة،
    عملنا مع أناس عاشوا في الغربة عشرات السنين.
    بعضهم زرع معنا عن بُعد،
    وحقق نتائج حقيقية،
    خلتهم يتخذوا قرارًا واعيًا:
    العودة والعيش وسط أهلهم وناسهم.

    هذا لا يعني أن الزراعة تصلح للجميع،
    ولا أن كل الناس يجب أن يكونوا مزارعين.

    لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها: السودان خُلق ليكون بلد زراعة.

    السودان – كدولة –
    هو مشروع زراعي كامل،
    صُمّم بهذه الصورة بإرادة الله:

    أرض

    ماء

    تنوّع مناخي

    ومواسم إنتاج

    ولذلك أرى – من واقع وتجربة –
    أن أغلب سكان هذا البلد يصلحون للزراعة
    إذا أُديرت بعلم وفهم ونظام.

    الزراعة ليست حكرًا على تخصص واحد

    أنا طبيبة أسنان،
    واخترت بإرادتي أن أتجه إلى الزراعة.

    والدي خريج قانون، وهو مزارع.
    عمي خريج علم فلك من الهند، وهو يزرع.
    وعمي الآخر خريج إعلام، واختار الزراعة.

    بالنسبة لي،
    دراستي للطب لم تكن خروجًا عن الزراعة،
    بل كانت أداة جعلتني أراها بعمق أكبر.

    أنا أمارس الطب في الزراعة،
    أفكك، أشخّص، أقي، وأعالج.

    وأعتبر نفسي — بلا تكلّف —
    طبيبة الزراعة.

    ولماذا أربط هذا بالمال؟

    عملي مرتبط بالمال،
    والمزارع يزرع في النهاية من أجل المال،
    لذلك حديثي ليس عاطفيًا ولا رومانسيًا.

    ما وصلتُ إليه من خلال البحث والتجربة هو قناعة واضحة: المشكلة ليست في المال،
    بل في فهمنا للغِنى.

    المال ليس رقمًا…
    بل وعي يمشي معك.

    الفقر ليس دائمًا نقص مال،
    بل نقص إدراك:

    خوف

    ندرة

    هلع من الغد

    وهذا النوع من الفقر
    لا تعالجه الهجرة وحدها،
    ولا يحلّه الخروج بأي ثمن.

    كلمة أخيرة

    أنا لا أهاجم من اختار السفر،
    ولا أقدّس البقاء.

    لكنني أرفض أن يتحول الخوف
    إلى خطاب عام
    يقنع الناس أن لا خيار لهم سوى الهروب.

    الاختيار الحقيقي يجب أن يكون: من فهم،
    من إدراك،
    ومن رؤية بعيدة…
    لا من هلع.

    والزراعة — حين تُدار بعلم —
    ليست رجوعًا للخلف،
    بل قد تكون أقرب طريق للغِنى الهادئ
    في بلد خُلق ليزرع.

    لو دايرين نكمّل النقاش دا بهدوء،
    ونفهم أكتر علاقة المال، والإدراك، والزراعة،
    نواصل في البوستات الجاية

    د. رناد أبوكشوة.