حوارات حول الأفكار.(194)
بقلم / حيدرمعتصم مدني
“مدير مركز الخرطوم للحوار”
حوار الدولة و الأيدلوجيا (1-4)
في خضم الحروب تتداخل الأصوات، وتختلط مواقع الفاعلين، ويصبح الخط الفاصل بين الحليف والمؤسسة أحيانًا شديد الحساسية. وهذا بالضبط ما حدث في الجدل الذي أثاره تصريح المجاهد الإسلامي المعروف الناجي عبدالله عندما أعلن اصطفافه مع إيران واستعداده للقتال معها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.
التصريح في ظاهره قد يبدو تعبيرًا عن موقف أيديولوجي أو عاطفي يصدر من رجل عُرف بخطابه الإسلامي الصريح، كما أن الرجل في الوقت ذاته لا يُعد خصمًا للمؤسسة العسكرية، بل على العكس من ذلك، يُنظر إليه كأحد الأصوات التي دفعت الشباب إلى الالتحاق بصفوف القتال دعمًا للجيش في هذه الحرب التي يمر بها السودان.
غير أن المشكلة لم تكن في الموقف ذاته بقدر ما كانت في السياق الذي صدر فيه التصريح.
فحين يتحدث شخص يرتدي الزي العسكري، حتى وإن كان من القوات المساندة أو من الداعمين للحرب، فإن كلامه لا يُفهم بوصفه رأيًا فرديًا فقط، بل قد يُفسَّر على أنه موقف يعكس توجهاً للمؤسسة العسكرية أو للدولة نفسها.
وفي عالم السياسة، خاصة في لحظات الحروب، تصبح مثل هذه الإشارات شديدة الحساسية.
فالسودان اليوم لا يخوض حربًا داخلية فحسب، بل يقف أيضًا وسط شبكة معقدة من التوازنات الإقليمية والدولية، حيث تحرص الدولة – مهما كانت ظروفها – على تجنب إرسال إشارات قد تُفهم على أنها اصطفاف رسمي في محاور إقليمية أو دولية.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم رد فعل الجيش السوداني الذي جاء حادًا وقاطعًا تجاه تصريح الناجي عبدالله، في رسالة واضحة مفادها أن المؤسسة العسكرية وحدها هي التي تحدد المواقف الرسمية المتعلقة بعلاقات السودان الخارجية.
غير أن فهم دوافع الرد لا يمنع من ملاحظة أن طريقة إدارة الموقف إعلاميًا لم تكن بالضرورة الأكثر حكمة.
فالناجي عبدالله، وفق ما هو معروف، لم يكن خصمًا للمؤسسة العسكرية، بل كان من الأصوات التي وقفت إلى جانبها في لحظة عزّ فيها كثير من الحلفاء، وأسهمت – بدرجة أو بأخرى – في تعبئة قطاعات من الشباب للانخراط في القتال.
وفي مثل هذه الحالات، تميل الإدارة السياسية الذكية للأزمات إلى الجمع بين أمرين في آن واحد:
تصحيح الخطأ المؤسسي من جهة، والحفاظ على جسور العلاقة مع الحلفاء من جهة أخرى.
ذلك أن الخطاب الحاد قد يمنح خصوم المؤسسة فرصة لاستغلال اللحظة وتقديمها للرأي العام بوصفها صراعًا بين الجيش وبعض من وقفوا إلى جانبه في بداية الحرب، وهو انطباع قد لا يعكس الواقع بقدر ما يخدم سرديات إعلامية تبحث عن أي شقوق يمكن النفاذ منها.
في نهاية المطاف، تكشف هذه الواقعة عن مسألة أعمق من مجرد تصريح إعلامي ورد فعل غاضب، وهي مسألة الحدود الفاصلة بين خطاب الحلفاء وخطاب الدولة.
فالجيش بوصفه مؤسسة دولة لا يستطيع أن يتحدث بلغة الأيديولوجيا أو الاصطفافات العابرة للحدود، حتى لو كان بعض حلفائه ينطلقون من مثل هذه اللغة.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي في مثل هذه اللحظات لا يكمن فقط في ضبط الانضباط المؤسسي، بل أيضًا في إدارة العلاقة بين المؤسسة الرسمية والقوى الاجتماعية أو الفكرية التي تساندها في أوقات الأزمات.
وهو تحدٍ سيظل حاضرًا ما دامت الحروب لا تُخاض فقط في ميادين القتال، بل كذلك
في ميادين الخطاب والسياسة.









إرسال تعليق