حوار الدولة و الأيدلوجيا (5-5)

  • بتاريخ : 13 مارس، 2026 - 6:47 ص
  • الزيارات : 50
  • حوارات حول الأفكار || د. حيدرمعتصم مدني

    مدير مركز الخرطوم للحوار

     

    خاتمة في أسئلة الدولةوالخطاب الأيديولوجي

    في المقالات السابقة من هذه السلسلة حاولنا قراءة جدلٍ سياسيٍ بدا في ظاهره مرتبطًا بتصريحٍ عابر، لكنه كشف في عمقه عن سؤال أوسع يتعلق بالعلاقة بين خطاب الدولة والخطاب الأيديولوجي، ليس في السودان وحده، بل في العالم المعاصر الذي يشهد عودة ملحوظة للخطابات الفكرية الحادة إلى قلب السياسة، غير أن هذا النقاش يقود في النهاية إلى سؤال أكثر جذرية:
    لماذا ظل السودان منذ الاستقلال يعاني من أزمة مستمرة في بناء الدولة نفسها؟
    فإذا تأملنا مسار الحياة السياسية السودانية منذ عام 1956 سنجد مفارقة لافتة،
    لقد وُلدت الدولة رسميًا مع الاستقلال، لكن مشروع الدولة نفسه لم يكتمل، كان للسودان علمه ونشيده الوطني وبرلمانه وحكومته، لكنه لم يمتلك في الوقت نفسه الأسس الفكرية والمؤسسية الصلبة التي تجعل الدولة إطارًا مستقرًا لإدارة المجتمع، ومن هنا بدأت الأزمة.. فالدول الحديثة عادة ما تقوم على ثلاثة أعمدة أساسية:
    دستور متوافق عليه، وهوية وطنية جامعة، ومؤسسات قادرة على إدارة السلطة وفق قواعد واضحة، غير أن السودان دخل مرحلة الاستقلال دون أن تحسم هذه الأسئلة الثلاثة بصورة نهائية.
    لم يتشكل منذ البداية دستور دائم يعبر عن توافق وطني واسع، بل ظل النظام السياسي يتحرك بين دساتير انتقالية وترتيبات مؤقتة تعكس موازين القوى السياسية أكثر مما تعكس اتفاقًا وطنيًا مستقرًا حول طبيعة الدولة.
    وفي ظل غياب هذا التوافق الدستوري بقي السؤال مفتوحًا:
    ما هي طبيعة الدولة السودانية نفسها؟ وما المرجعية التي تضبط علاقتها بالمجتمع؟
    في الفراغ الذي تركه هذا السؤال غير المحسوم دخلت إلى المجال السياسي قوى متعددة تحاول تعريف الدولة وفق رؤيتها الخاصة.
    الأحزاب الطائفية رأت الدولة امتدادًا لنفوذها الاجتماعي،
    والحركات الأيديولوجية حاولت أن تجعلها إطارًا لمشاريع فكرية أوسع،
    بينما تدخل الجيش في لحظات مختلفة باعتباره القوة الأكثر قدرة على فرض قدر من الاستقرار في ظل الفوضى السياسية.
    لكن هذه المحاولات المختلفة لم تؤدِّ إلى بناء دولة مستقرة، بل أسهمت في تعميق الأزمة.
    فحين تتحول الدولة إلى ساحة تتنافس فيها المشاريع الأيديولوجية أو المصالح الفئوية، فإنها تفقد تدريجيًا طبيعتها بوصفها مؤسسة وطنية جامعة تقف على مسافة واحدة من جميع مكونات المجتمع.
    وهكذا دخل السودان في حلقة متكررة من عدم الاستقرار:
    حكومات مدنية تتعثر بسبب الانقسامات الحزبية الحادة،
    وانقلابات عسكرية تبرر تدخلها بإنقاذ الدولة من الفوضى السياسية،
    ثم عودة إلى التجربة المدنية دون أن تكون الأسئلة الأساسية قد وجدت إجاباتها.
    لكن الأزمة لم تكن سياسية فقط.
    فإلى جانب غياب التوافق الدستوري، واجه السودان تحديًا آخر يتعلق بتعريف الهوية الوطنية الجامعة. فالمجتمع السوداني بطبيعته مجتمع متنوع ثقافيًا وإثنيًا ودينيًا، وكان من الممكن أن يتحول هذا التنوع إلى مصدر ثراء وفاعلية حضارية لو تم احتضانه داخل مشروع وطني متوازن.
    غير أن الصراعات السياسية وسوء إدارة التعدد الثقافي جعلا من مسألة الهوية أحد مصادر التوتر بدل أن تكون عنصرًا من عناصر القوة.
    وفي ظل هذه الظروف أصبح من الصعب على الدولة أن تقوم بدورها الطبيعي في بناء مؤسسات مستقرة قادرة على إدارة الاقتصاد والتنمية والأمن.
    فالدولة التي لم تُحسم مرجعيتها الدستورية، ولم تتبلور هويتها الوطنية بصورة جامعة، تجد نفسها دائمًا عرضة للتجاذبات السياسية والصراعات الأيديولوجية.
    ومن هنا يمكن القول إن فشل الدولة السودانية لم يكن نتيجة حدث واحد أو مرحلة سياسية بعينها، بل هو نتيجة تراكم طويل من الإخفاقات في لحظة التأسيس نفسها.
    لقد وُلدت الدولة قبل أن يكتمل الاتفاق على طبيعتها، وقبل أن يتشكل العقد الاجتماعي الذي يحدد العلاقة بين السلطة والمجتمع.
    ولهذا السبب ظل السودان يتحرك لعقود طويلة داخل ما يمكن وصفه بدائرة الأزمة المفتوحة:
    تتغير الحكومات، وتتبدل التحالفات السياسية، لكن الأسئلة الكبرى حول الدولة تبقى دون إجابة.
    وربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من النقاش الذي انطلقت منه هذه السلسلة.
    فالمشكلة في السودان لم تكن فقط في صراع القوى السياسية، ولا في تنافس الخطابات الأيديولوجية، بل في غياب الإطار الوطني الجامع الذي يجعل الدولة نفسها مرجعية فوق الصراعات.
    إن الخروج من هذه الدائرة لا يمكن أن يتحقق بمجرد تغيير الحكومات أو إعادة ترتيب موازين القوى، بل يتطلب ما هو أعمق من ذلك بكثير:
    إعادة تأسيس الدولة نفسها على قواعد فكرية ودستورية جديدة.
    فالدول لا تفشل فقط عندما تسقط حكوماتها،
    بل تفشل عندما تعجز عن بناء القواعد التي تجعل السلطة قابلة للاستمرار خارج صراعات اللحظة.
    وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم:
    ليس مجرد استعادة الدولة، بل إعادة تأسيسها.