نبض للوطن || أحمد يوسف التاي
(1)
الكثير من الناس تعتريهم تغيرات نفسية وسلوكية غير معهودة فيهم، وهي حالة نفسية شائعة جدًا تصيب الأفراد عند توليهم مناصب قيادية، وحصولهم على نفوذ سلطوي أكبر ، وهذه الحالة هي ما يسميها بعض الباحثين “جنون السلطة” وفي علم النفس يسمونها “Hubris Syndrome” أو متلازمة الغطرسة، وهي حالة إختلال في الشخصية تفضي إلى تضخم مفرط في الذات.. (حمانا الله وإياكم)..
جنون السلطة حالة تصيب الأشخاص نتيجة لتمدد النفوذ وغياب الرقابة والمحاسبة، مما يخلق بيئة تعزز غرور المسؤول وتجعل الشخص يبتعد شيئا فشيئا عن الواقع، ويبدو أكثر تشبسا بالسلطة والموقع الذي يحتله.
(2)
السلطة في الحالة أعلاه تصبح عند المسؤول المصاب بتضخم الذات وجنون السلطة سواءً أكان قائدًا أو رئيسًا أو وزيرًا أو حتى مديرًا، وسيلة لحماية كرسيه وضرب خصومه الذين يتوهمهم ويتمثلهم في أقرب الناس إليه، لذلك يعمل كل تفكيره في القضاء على أي منافس محتمل أو طامع يصنعه له الوهم، والقضاء عليه يكون إما بالقتل أو الإقصاء، أو التآمر بأي وسيلة لإبعاده..فهذا يتوهم، وذاك يفعل، وهذا يفعل وذاك يتوهم، وهذا من ذاك..
(3)
السلطة تُغيّر طبائع كل الرجال والكثير من النساء، وإن تصنعوا التواضع والجلد وتجعل البقاء في الحكم أولوية مطلقة تتجاوز كل القيم والمبادئ..
من أجل الحفاظ على الكرسي يقتل السلطان ولده أو أخاه، أو أباه.. ومن اجل الحفاظ على الموقع يتملق المسؤول الصغير المسؤول الأكبر منه وينافقه، ويسترضيه ويحرق له البخور ويمسح الجوخ، ويفعل ما لايستطيع فعله وهو خارج الموقع.
(4)
حاكم قُرطبة في بلاد الأندلس يوسف الفهري الزاهد العابد، عندما اقنعه صاحبه الصميل بن حاتم بتولي الإمارة بعد ممانعة شديدة، بدا أكثر جمونا وافتتانا بالسلطة ، ولما فارقها كادت أن تفارقه روحه وفقد الحكمة والصواب، فعندما ذاق حلاوة السلطة وانتشى تغيرت احواله وطبائعه وانقلب على صاحبه الصميل، ثم ضحى بولديه الرهينتين لدى الأمير عبد الرحمن الداخل من أجل استعادة سلطته، وقدمهما قربانا ولم يكن يعبأ بحياتهما…هذا نموذج تأريخي يتجدد في كل زمان، فهو المثال الحي لتغيير طبائع البشر بعد الكرسي.
(5)
ويروي لنا التأريخ أن الامين بن هارون الرشيد، انقلب على أخيه المأمون، وعبد الرحمن الداخل مؤسس دولة الاندلس قتل ابني اخويه ، عبيد الله بن مابان ، والمغيرة بن محمد، وملك اشبيلية المعتضد بن عباد قتل ابنه إسماعيل، والفانسو ملك قشتالة قتل أخاه، الحاجب محمد بن أبي عامر المنصور، حجب ولي عهد أبيه “هشام بن الحكم” عن الناس لينفرد بالسلطة ويجعلها لنفسه وابنه والامبراطور كاراكلا قتل أخاه، المؤيد بالله في مصر قتل ولده، والأمثلة كثيرة، وكلها من أجل الكرسي..
هارون الرشيد كان يردد عبارة الملك عقيم ، وهو يقول لابنه المأمون: “يا بُنيّ، المُلك عقيم، ولو نازعتني أنت على الخلافة لأخذتُ الذي فيه عيناك” (أي لقطعت رأسك)، وهو يعني ان للملك شهوة وسطوة لايكبح جماحهما شيء في الوجود وإن قتل الحاكم ثلث رعيته ، وكل من نازعه الملك سواء اكان ولدا او ابا او أخا….
(6)
للوقاية من أمراض متلازمة الغطرسة، وجنون السلطة وكل هذه التغيرات النفسية التي تحدث بعد تضخم الذات تلجأ المجتمعات المتحضرة لتحديد فترة الحكم بأربع سنوات في الغالب، وذلك لمنع تمدد النفوذ والسلطات وتضخم الذات وتحويل المنصب إلى ملك خاص، فضلا عن التشديد على أهم مبدأ ديمقراطي وهو الفصل بين السلطات، وإعمال المحاسبة وتفعيل وتعزيز دور الأجهزة الرقابية، كالبرلمانات والمجالس التشريعية والصحافة الحرة ونحوها..
اللهم هذا قسمي فيما املك..
نبضة اخيرة:
ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.











إرسال تعليق