تعقيب على الدكتورة وعد علي الرضي: بين حرارة النوايا وبرودة الواقع

  • بتاريخ : 22 أبريل، 2026 - 5:51 ص
  • الزيارات : 10
  • بقلم /الطيب مضوي شيقوق

    “محامي- مستشار القانوني”

    قرأتُ ما سطرته الدكتورة وعد علي الرضي بعينٍ تُقدّر هذا النفس الرفيع، وهذا الأدب الجم في مخاطبة الفكرة قبل صاحبها، وهي خصلةٌ أصبحت نادرة في زمن الاستقطاب الحاد. فقدمت قراءةً مشبعة بروحٍ أخلاقية، تستدعي النص الديني لتأصيل فكرة السلام، وتُعلي من شأن “إصلاح ذات البين” كمدخلٍ للخروج من نفق الحرب.

    غير أن المشكلة – في تقديري – لا تكمن في صحة المبادئ التي انطلقت منها، فكل ما قيل عن أولوية الأمن والغذاء، وعن ضرورة ترميم الثقة، هو مما لا يختلف عليه اثنان، ولكن الإشكال الحقيقي يكمن في كيفية تحويل هذه القيم إلى برنامج عمل سياسي قابل للتنفيذ.

    فالدعوة إلى تقديم السياسة على السلاح، وإن كانت في ظاهرها بديهية، إلا أنها تصطدم بسؤال بالغ القسوة:
    من الذي يملك قرار تقديم السياسة أصلاً؟
    هل هو الفاعل العسكري الذي يملك القوة على الأرض؟ أم القوى المدنية التي فقدت أدوات الضغط والتأثير؟ أم المجتمع الدولي الذي يتدخل حينًا وينكفئ حينًا آخر؟

    ثم إن الحديث عن “إصلاح ذات البين” في سياق سياسي مركّب كالسودان، لا يكفي فيه الاستدعاء الأخلاقي وحده، لأن الأزمة لم تعد مجرد سوء تفاهم، بل أصبحت صراع مصالح، وتشابك قوى، وتاريخًا طويلاً من انعدام الثقة. وهنا يتحول الإصلاح من وعظٍ أخلاقي إلى هندسة دقيقة لتوازنات القوة.

    أما “العقد الاجتماعي” الذي أشارت إليه الدكتورة وعد، فهو ليس مجرد تعبيرٍ إنشائي، بل هو مفهومٌ فلسفي عميق، يجد جذوره في نظرية الفيلسوف جان جاك روسو، التي تقوم على أن شرعية الدولة لا تستمد من القوة، بل من اتفاقٍ ضمني بين الحاكم والمحكوم، يلتزم فيه الأفراد بالتنازل عن جزءٍ من حريتهم مقابل ضمان الأمن والعدالة.

    غير أن الإشكال في إسقاط هذا المفهوم على الحالة السودانية، أن هذا “العقد” – في الأصل – يفترض وجود دولةٍ قادرة، ومجتمعٍ متماسك، وإرادةٍ جماعية تُعبّر عن نفسها عبر مؤسسات. بينما واقعنا اليوم يشهد اختلالاً في هذه الأركان الثلاثة معًا.

    فالعقد الاجتماعي في السودان لم يُنتهك فقط… بل ظلّ – في كثيرٍ من مراحله – غير مكتمل التكوين أصلاً.
    لم يكن اتفاقًا حرًا بين أطراف متكافئة، بل غالبًا ما كان نتاج موازين قوة مختلّة، أو تسويات مؤقتة سرعان ما انهارت عند أول اختبار.

    ومن هنا، فإن الدعوة إلى “إصلاح ذات البين” لا يمكن أن تكتمل إلا بإعادة تأسيس هذا العقد على أسسٍ جديدة:
    عقدٍ يعترف بالتنوع،
    ويضمن المشاركة الحقيقية،
    ويضع السلاح تحت سلطة السياسة، لا العكس.
    أما فكرة “تصفير العداوات الأيديولوجية”، فهي أقرب إلى الأمنية منها إلى الإمكانية، لأن الأيديولوجيا في السودان لم تعد مجرد أفكار، بل تحولت إلى أدوات تعبئة وصراع، بل وأحيانًا إلى مبررات وجود. ومن الصعب تصفيرها دون تفكيك البنى التي تنتجها وتغذيها. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن ما طرحته الدكتورة وعد يلامس جوهر القضية:
    أن الحرب ليست قدراً،
    وأن السلام ليس ضعفاً،
    وأن السياسة – مهما تعثرت – تظل الخيار الأقل كلفة.
    لكن ما نحتاجه اليوم ليس فقط “لغة السلام”، بل آليات السلام:

    كيف نُبنى الثقة؟
    كيف نضمن تنفيذ الاتفاقات؟
    كيف نمنع العودة إلى دائرة العنف؟
    وكيف نعيد تعريف العلاقة بين الجيش والسياسة في إطارٍ لا يُقصي أحدًا ولا يُطلق يد أحد؟

    ختامًا، يظل هذا الطرح – رغم ما فيه من مثالية – صوتًا مهمًا في زمن الضجيج، لكنه يحتاج إلى أن يُستكمل برؤية أكثر صرامة تجاه الواقع، حيث لا تُقاس النوايا بصدقها، بل بقدرتها على تغيير موازين الأرض.

    وفقك الله وسدد خطاك