تحليل/ أحمد يوسف التاي
(1)
بقراءة خاطفة للتصريحات التي أدلى بها القيادي بالحركة الإسلامية الناجي عبد الله الملقب بأمير المجاهدين والتي أيد فيها إيران على نحو يُفهم منه التأييد المطلق للهجمات الصاروخية الإيرانية على عدد من دول الخليج واستهداف منشئاتها المدنية ومواطنيها، بقراءة عابرة لهذه التصريحات من حيث التوقيت الحساس ونتائجها المتوقعة، لا يجد أي مراقب سياسي صعوبة في استدعاء الموقف الذي أعلنه نظام الإنقاذ المخلوع إزاء احتلال العراق للكويت في العام 1991، والذي جاء أيضًا في سياق فُهم منه تأييد احتلال الجيش العراقي للكويت ، كما لايجد أي مراقب سياسي صعوبة في استدعاء النتائج القاسية التي حصل عليها السودان جراء ذلك الموقف المتهور والغامض، والذي حاولت الإنقاذ التراجع عنه كثيرًا من خلال عبارات حمالة اوجه لكن كل ذلك لم يشفع لها، إذ كان المحصول النهائي لذلك الموقف “المضطرب” عُزلة دولية قاتلة عانى منها السودان كثيرًا، ومقاطعة دبلوماسية عالمية، وهي خطوات مهدت لعقوبات وإدراج اسم السودان في قائمة الإرهاب في العام 1993. وهذا في تقديري ما يفسر الغضبة المضرية التي اظهرها البرهان إزاء تصريحات “الناجي” المؤيدة لهجمات إيران ضد دول الخليج، لأنه بالقطع لا احد يتعاطف مع إسرائيل بل الخليج..
البرهان بدت لهجته حادة وغاضبة وجادة، إزاء تصريحات الناجي عبد الله ربما لأنه استدعى ذلك الموقف المرتبط بحرب الخليج في مطلع التسعينات، أو ربما لحساسية الاتهامات الحالية الخاصة بارتباط الخرطوم بطهران في الوقت الراهن ..
(2)
من حيث التوقيت الحساس ، يمكن الإشارة إلى أمر مهم للغاية وهو أن الموقف الذي أفصح عنه الناجي عبدالله وقوله صراحة عن الاستعداد للقتال في صفوف إيران، جاء في توقيت حساس للغاية، وفي وقت تريد الحكومة السودانية أن تنفي عنها شبهة التقارب مع إيران، والبعد عن الإتهامات المثارة في هذا الجانب.
كما ان تصريحات الناجي الذي يعتبر قائدا عاما لكل كتائب الحركة الإسلامية المساندة للجيش ضد قوات الدعم السريع المتمردة، جاءت في وقت تحاول فيه قيادة الجيش نفي الإتهامات التي تقول بتغلغل كتائب الإسلاميين داخل المؤسسة العسكرية الرسمية وتمدد نفوذها داخل الجيش، وهذا أيضا ما يفسر غضبة البرهان وانفعالاته وهو يرد على هذه المجموعة التي فُهم منها انها تتحدث باسم الجيش، ويحذرها البرهان تحذيرا شديد اللهجة، للدرجة التي دفعت البرهان إلى التهديد ب “إغماض” عينها بالقوة و(مسح) كل مافعلته المجموعة من قتال في صفوف الجيش و(مهما فعلت) فأن ذلك كله لن يشفع لها إذا ما أقبلت على تنفيذ ما اعلنت عنه، وهذا ما أشار إليه قائد الجيش بوضوح تام.
(3)
من حيث حساسية التوقيت أيضًا والتي تفسر لهجة البرهان الغاضبة أن تصريحات “الناجي” جاءت في توقيت ، تسعى فيه كل جهة ذات صلة بإيران لتخفض رأسها، وتحني ظهرها للعاصفة الهوجاء ريثما تمر بسلام، مع سد كل الثغرات ورد الشبهات، ولهذا كانت تصريحات “الناجي” بدت “متقاطعة” جدا مع تلك المساعي.
(4)
ردة فعل البرهان الغاضبة، والتي تجاوزت الناجي ومجموعته إلى كل من يقف خلفها ويؤيدها ، عكست مؤشرات قوية تشيء إلى أن الزواج الإضطراري بين البرهان والإسلاميين والذي تعرض من قبل إلى عدد من الهزات يواجه مؤشرات النهاية، خاصة إذا تمادى قادة الكتائب المساندة للجيش في التغريد خارج السرب والتفلت وعدم ضبط الخطاب الإعلامي على نحو تعتبره قيادة الجيش تهديدًا، او عملا خارج ضوابط وقوانين المؤسسة العسكرية.
(5)
هناك ثمة نقطة أيضا على درجة من الأهمية تفرض نفسها في سياق هذا التحليل، وهي أن الجيش السوداني كان بحاجة لكتائب الإسلاميين ولكل مواطن سوداني قادر على حمل السلاح، وقد ظهر ذلك في الدعوة للإستنفار، وذلك للإستنصار بهم في مواجهة تمرد قوات الدعم السريع..ولما انفتح باب التطوع كانت كتائب الإسلاميين حاضرة بقوة ، ولا أحد يستطيع أن ينكر الدور الكبير لهذه الكتائب في مساندة القوات المسلحة وتحرير المدن..
لكن في المقابل هذا الدور المتعاظم أصاب بعض افراد التنظيم بشيء من الغرور والزهو على نحو جعلهم “يفرضون” المواقف، والآراء وأي “كائن حي” يعارض ذلك يقابل بالتهديد والتخوين والتجريم، بل تجاوز الأمر عند بعضهم أحلام استعادة الحكم إلى (الحكم الفعلي) من خلال الوجوه القديمة في مستويات الحكم المختلفة بصورة رسمية او غير رسمية، بما يشبه المثل السوداني: (خرجوا بالباب وعادوا بالشباك)..
هذا الواقع ، وهذه الوضعية التي كسبها التنظيم من الحرب واستمرارها، والتي سبقت الإشارة إليها هي ما جعلت الناجي عبدالله يتحدث ويقرر ويعلن وكأنه منوط به الحديث عن مؤسسات الدولة الرسمية، وهناك أكثر من “ناجي” يفعل ذلك، وهذا ما يضعف مؤسسات الدولة.
(6)
تصريحات “الناجي” في رأي حالة سودانية، تسمى بالدارجة السودانية (هوشة)، وهي مرتبطة بطبيعة الشخصية السودانية “الحمشة”- الراجل الحمش فوق الجمر بمش – وللحركة الإسلامية نصيب وافر من هذه الحالة..لذلك تبدو هذه الحالة وكأنها سلوك جمعي، وما يعزز ذلك، أنه في منتصف التسعينات استمعت إلى تنوير بالبرلمان من سفير السودان بأمريكا وقتها مهدي إبراهيم، فقد كان إبراهيم يشكو مر الشكوى من التصريحات “المشاترة” التي تهزم كل ما يقوم به من عمل دبلوماسي ضخم وكبير، فكان يقول بينما نحن نبذل جهودا دبلوماسية جبارة لننفي تهمة الارهاب عن البلاد، نُفاجأ بنائب برلماني، او سياسي او مسؤول يتحدث عبر الفضائيات مهددا باجتياح أمريكا وصدوح الآذان فيها، وبهذه الكلمات التي لايلقي لها بالا ينسف كل ما بنيناه، وبالتالي يجر المصائب للبلاد، وما أشبه الليلة بالبارحة..والسؤال المهم: لماذا لايتعلم الناس ولايتعظون من تجارب الماضي القريب بكل إسقاطاتها ومراراتها.
(7)
إذن وتأسيسا على ما سبق يمكن القول أن تجاوز هذا الوضع يتطلب التقيُّد بجملة من الضوابط أبرزها:
1- احترام مؤسسات الدولة وتخصصاتها ووظائفها.
2- عدم التسامح مع الجنوح للفوضى التي تعرض امن البلاد للخطر.
3-ضبط الخطاب الإعلامي الرسمي للدولة وسد الفراغات التي تغري البعض لملئها، ومراعات التخصصية.
4- الإنضباط والتقيُّد بالقانون وإزالة كل التشوهات التي تهزم مظاهر الدولة.










إرسال تعليق