بقلم / بثينة خليفة قاسم
“كاتبة – البحرين”
يتمحور هذا العمود حول تلك الورطة الاجتماعية التي نقع فيها جميعاً، حين نسارع بالحكم على الأشخاص بالثقافة والاتزان لمجرد أن مظهرهم الخارجي يوحي بالعظمة والرفعة. مثلاً: شخصاً يرتدي بدلة “سمارت” كُويت بالمسطرة، مع لحية مهذبة بهندسة فائقة، هنا يجد المرء نفسه تلقائياً يعدل من جلسته ويحاول مجاراته في البرستيج، ظناً منه أنه يقف أمام جهبذ من جهابذة العصر. هذه المعضلة تلخصها تماماً نظرية الانطباع الأول، ذاك الفخ الذهني الذي نختاره أحياناً بمحض إرادتنا وعمداً!
وفي موروثنا الشعبي، لم يترك الأجداد أمراً كهذا يمر مرور الكرام، فصكوا مثلهم اللاذع: “الطول طول نخلة، والعقل عقل سخلة”، ليكون بمثابة قصف جبهة مبكر يفضح الفجوة الهزلية بين “البودي” الخارجي والمضمون الداخلي.
ولكن، ولأن الإنسان كائن مجبول على حسن الظن ويعشق خداع نفسه، تجدنا نتشبث بالقول: مهلاً، لا تحكم على الكتاب من غلافه، فلعلّ الجوهر يحمل خلاف المظهر! بل إننا نذهب أبعد من ذلك، فنقنع أنفسنا بأن هذا المظهر الغريب أو غير التقليدي قد يخفي وراءه درراً مكنونة، تماماً ككنز أثري ثمين يختبئ داخل صندوق قديم يعلوه الغبار.
بناءً على هذا العشم والتفاؤل المفرط، يقترب المرء من صاحبنا “النخلة”، مأخوذاً بهيبته، ومتوقعاً أن تتدفق من فمه شلالات الحكمة، أو على الأقل رأي رزين يوازي فخامة قوالبه ونظراته الاستراتيجية الثاقبة التي يوزعها يمنة ويسرة.
وهنا.. تأتي الصدمة المدوية!
فبمجرد أن يفتح فمه وتدخل معه في نقاش جاد، تكتشف أنه لا يوجد شيء بالداخل يستحق عناء الالتفات! لا أفكار عميقة، ولا أطروحات ملفتة، بل مجرد سراب. المشكلة هنا لم تعد في كونه يملك
عقل “صخلة” فحسب، بل في أنه لا يملك عقلاً من الأساس! لتدرك في النهاية أن هذا الهيكل المهيب ما هو إلا غلاف ل خواء مطلق لا شيء وراءه، تماماً مثل قصر فخم وأنيق من الخارج، لكنه مهجور ومقفر من الداخل ولا يحوي حتى كرسياً واحداً!
ومع ذلك، فإن هذه الصدمة الإنسانية تدفعنا للنظر بوعي أكبر إلى ما يدور حولنا، كي لا نقع في فخ الأحكام المتسرعة في الاتجاه المعاكس. لذلك، سنقلب الصفحة في العمود القادم لنناقش الوجه الآخر للمسألة، ونبحث عن ذلك المعدن الأصيل والنظيف الذي قد يختبئ – ويا للمفارقة – خلف مظهر بسيط لا يلتفت إليه أحد.











إرسال تعليق