بقلم / م. مامون محمد الطيب عمر
الحلقة الخامسة
المحور الثاني ..
الجغرافية والمناخ وطبوغرافية الأرض وأثرها في البناء الثقافي والقيمي للشعوب السودانية ..
أتناول بالنقاش والتحليل أثر البيئة على تكوين وخصائص الشخصية السودانية وسأتعرض في هذا المحور لأثر المناخ وطبوغرافية الأرض ودورها في تحديد سبل الكسب وأنماط المعيشة والسلوك ..
تقع أراضي السودان بمجمله في الشمال الشرقي للقارة الأفريقية محصورة كلها في الحزام المداري
وهي خليط بين الصحارى والسافنا الفقيرة والغنية في إمتداد منبسط خلا مرتفعات متناثرة هنا وهناك .. وتحفل بثروة مائية ممتازة من الأنهر الجارية والأمطار الموسمية والأحواض الجوفية ..
هو مناخ بين القسوة والحرارة نهارا وصيفا واللطف والإنتعاش ليلا ..
لا شك في أن البيئة من طبوغرافية الأرض ودرجات الحرارة والرطوبة وغيرها ذات مؤشر كبير جدا على سلوك وطبائع الناس وتفاعلهم مع الأحداث حولهم فسكان السهول الخصبة غير سكان الصحارى غير سكان الجبال والأودية غير سكان السواحل ..
وأهل المواطن الماطرة غير أهل مواقع القحط والندرة وسكان ضفاف الأنهر والبحيرات العذبة غير سكان الصقيع والبرد الممتد ..
ساحاول في مداخلاتي القادمة رسم صورة لأثر هذه المتغيرات على أهل السودان على إختلافها وتباينها ما أستطعت رغم صعوبتها وتعقيداتها ..
تتميز طبغرافيا السودان بالسهول المنبسطة الممتدة دون عوائق إلا القليل من المرتفعات الجبلية والأودية المبعثرة هنا وهناك إمتداد من الصحارى القاحلة شمالا و السافنا الفقيرة والغنية كلما أوغلت جنوبا .. يتوسط هذا هذا المدى المتسع وادي النيل بفروعه الجارية والموسمية ..
وقوع هذا البحر الممتد من الأراضي الشاسعة جنوب مدار السرطان جعلها عرضة لسيل الشمس اللاهب تغشاهم في حركتها شمالا وأوبتها جنوبا كل عام وتصليهم سيلا متصلا من حرارتها كل اليوم حتى المغيب .. ” من صباحا لمطاحا كما في المثل ..” وطوال شهور السنة الاقليلا حين تغشاهم نسمات الخريف وغدق سحائبه الماطرة فتنبت الزرع وتخضر الأرض ويترع الضرع .. حتى سميت عند اليونان الاقدمون بأرض أثيوبيا والتي تعني أهل الوجوه المسفوعة بالشمس ..
هذا المزيج البيئي الغريب ساهم بقدر وافر في تشكيل طرائق الكسب والعيش والمزاج العام لسكان السودان
فمن إنبساط الارض تحتهم جأت بساطة عيشهم وسهولته وقناعتهم به وأريحيتهم في تشاركه وفي تقاعسهم عن بديله وإتعاب أجسادهم في البحث عن التنوع والتحسب للغوائل حتى دهمتهم مرارا حين ضنت السماء بمائها في سنون عجاف ..
ومن سيل الشمس المتصل قلت ساعات عملهم في اليوم قبل صعودها نحو كبد السماء وإشتداد قيظها و أكسبتهم حدة في المزاج يبين عند إختباره بسرعة الإنفعال والتهور أحيانا كثيرة ..
كما قل إهتمامهم بمضي الوقت وضابط الزمن فشهور العمل المعدودة في مواسم المطر يكفي عائدها عامهم كله فمن حصاده مأكلهم ومشربهم وشىء من تجارتهم المحلية ..
وحين تريحهم الشمس من لفحها وتنحدر لمطاحها ينعمون بتواصلهم وأنسهم بالحياة ومن ذلك جاء إحتفالهم بالقيم والطقوس الإجتماعية ورفعها لمستوى يوازي إهتمامهم بالشعائر التعبدية فميزانك يقاس بمقدر جهدك وسهمك في هذا التواصل الإجتماعي أفراحا وأتراحا في الرخاء أو الشدة لايعدل ذلك عندهم أي عمل مهما عظم عائده ..
هنالك بالطبع إستثناءات لهذه الصورة العامة فأهل ضفاف وادي النيل وأهل المناطق الجبلية إكتسبوا طبائع تختلف قليلا بسبب محدودية المساحة المتاحة ووفرة الماء الجاري تحت أرجلهم فاهتموا بالتنوع في المنتج وبطول المكث في الإهتمام بالزراعة وفنونها فكان للتوقيت لديهم مكانته وحسابه وللإدخار ضرورته وكذا أهل الجبال والمرتفعات أرتفع لديهم العزم وقوة الإحتمال وحسن الحيلة في معالجة ما بين يديهم لديمومة الحياة وإستمرارها ..
هكذا تنوعت الخصال والطبائع و العادات بتنوع المحيط وطبيعة الموقع .. وأرجو من المتابعين إثراء النقاش بملاحظاتهم و معارفهم التي خفت عني لمجتمعات بقدم وعراقة شعوب السودان و تعدد وتلون وإختلاف من أقام أو جاء عابرا وأخص المتخصصين في علم الإجتماع والتاريخ ..
أواصل ..











إرسال تعليق