*حوارات حول الأفكار || د.حيدر معتصم مدني
مدير مركز الخرطوم للحوار
*حوار الدولة و الأيدلوجيا*
(3-4)
السودان بين الدولة والدعوة :مأزق السياسة في زمن الدولة الوطنية
العلاقة بين الحركات الأيديولوجية والدولة الوطنية ليست مسألة إجرائية بسيطة يمكن حلها بتصريحات سياسية أو إجراءات تنظيمية، إنها في جوهرها مسألة فكرية عميقة تتعلق بطبيعة الدولة نفسها وطبيعة الفعل السياسي داخلها،
والجدل الذي أثارته حادثة تصريح الناجي عبدالله وما تبعها من رد فعل رسمي لا يمكن فهمه بمعزل عن هذا السؤال الأكبر:
كيف يمكن التوفيق بين خطاب الحركات الإسلامية، الذي تشكل تاريخيًا داخل فضاء الدعوة والأمة العابرة للحدود، وبين منطق الدولة الوطنية الحديثة التي تقوم على حسابات المصالح والسيادة والتوازنات الدولية؟
لقد نشأت الحركات الإسلامية المعاصرة في سياق تاريخي خاص، حيث كان الهم الأكبر هو استعادة الفاعلية الحضارية للأمة الإسلامية في مواجهة ما اعتُبر حينها حالة من التراجع أو الهيمنة الخارجية. وفي هذا السياق تشكل خطاب سياسي وفكري يميل إلى قراءة العالم من زاوية الصراع بين معسكرات حضارية أو أيديولوجية،لكن الدولة الوطنية التي تشكلت في العالم الحديث – بما في ذلك السودان – تعمل وفق منطق مختلف تمامًا. فهي كيان سياسي يقوم على إدارة مجتمع محدد داخل حدود جغرافية واضحة، ويتحرك في إطار شبكة معقدة من العلاقات الدولية التي تحكمها المصالح المتبادلة والتوازنات الدقيقة،ومن هنا تنشأ الإشكالية، فحين تبقى الحركات الأيديولوجية وفية لمنطقها التعبوي القائم على الانتماءات الواسعة والتحالفات العقائدية، بينما تضطر الدولة إلى التحرك داخل فضاء المصالح الوطنية والاعتبارات الدبلوماسية، يصبح التوتر بين الخطابين شبه حتمي.
هذا التوتر لا يعني بالضرورة وجود صراع دائم بين الدولة والحركات الأيديولوجية، لكنه يكشف عن حاجة ملحّة إلى إعادة تعريف الأدوار والحدود.
فالدولة، بحكم مسؤوليتها عن المجتمع كله، لا تستطيع أن تتبنى خطابًا تعبويًا حادًا في علاقاتها الخارجية، لأن ذلك قد يعرّض مصالح البلاد لمخاطر لا تحتملها الدول في عالم شديد الترابط.
وفي المقابل، فإن الحركات الفكرية أو الدعوية تمتلك مساحة أوسع للتعبير عن رؤاها ومواقفها، لكنها تظل مطالبة بالتمييز بين ما هو موقف فكري أو دعوي وبين ما قد يُفهم بوصفه موقفًا رسميًا للدولة.
إن التجربة السودانية خلال العقود الماضية تقدم مثالًا واضحًا على التعقيدات التي يمكن أن تنشأ عندما لا يكون هذا التمييز واضحًا بما يكفي. فقد وجدت الدولة نفسها في أكثر من مناسبة أمام مواقف أو خطابات صادرة من داخل الفضاء الأيديولوجي تُفسَّر خارجيًا باعتبارها تعبيرًا عن سياساتها الرسمية.
وفي عالم تتداخل فيه السياسة بالإعلام بالدبلوماسية، قد تتحول مثل هذه الإشارات إلى أزمات حقيقية.
لهذا فإن بناء دولة مستقرة في السودان لا يتطلب فقط إصلاح المؤسسات أو إعادة ترتيب موازين القوى السياسية، بل يتطلب أيضًا نضجًا فكريًا في فهم العلاقة بين الدولة والمجتمع والحركات الفكرية،
فالدولة ليست حركة دعوية، كما أن الحركات الفكرية ليست مؤسسات دولة.
وعندما يصبح هذا التمييز واضحًا، يمكن لكل طرف أن يؤدي دوره الطبيعي دون أن يتحول الاختلاف في اللغة أو المنهج إلى مصدر توتر أو سوء فهم.
ربما لا تكون حادثة التصريح التي أثارت هذا الجدل أكثر من واقعة عابرة في سياق سياسي مضطرب، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب للتأمل في سؤال أعمق يتعلق بمستقبل الحياة السياسية في السودان:
كيف يمكن بناء دولة وطنية قادرة على إدارة مصالحها في عالم معقد، دون أن تدخل في تناقض دائم مع القوى الفكرية والاجتماعية التي تشكل جزءًا من نسيج المجتمع؟
الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق بلحظة سياسية عابرة، بل بمسار طويل من التفكير وإعادة التعريف.
فالدول لا تُبنى فقط بالسلطة، بل أيضًا بوضوح الأفكار التي تحكم علاقتها بالمجتمع والعالم.









إرسال تعليق