بقلم: امين محمد الجاك عامر
في جلستنا الصباحية بالشارع، حيث نتنسم أنفاس الصباح ونرتشف قهوة مدني الجميلة، التي خرجت من أتون الحرب اللعينة التي قضت على الأخضر واليابس، رأيت اليوم مشهدًا لفت انتباهي.
مدني، التي خرجت من الحرب أكثر قوة، وبإذن الله أكثر صمودًا بأبنائها، بدت شوارعها مع بزوغ الفجر أكثر حركة من المعتاد. رجال ونساء، شباب وكبار، وحتى بعض ذوي الإعاقة الحركية، يمشون في الشارع المتفرع من قبة مدني السني، في اتجاه الجنوب، نحو المنطقة الصناعية والسوق الجديد.
وأنا أرتشف قهوتي الصباحية التي يعدها لنا كل يوم صديقنا مروان، بكرم حاتمي لا ينقطع، سألته:
«يا مروان، الحاصل شنو؟ الناس دي ماشّة وين بدري كده؟»
قال لي إن خطوط مواصلات الشرق تُنزل العمال المتجهين إلى المنطقة الصناعية، والطلاب وأصحاب الأعمال في القبة وأم سويقو، لكن مع ارتفاع تكلفة الترحيل وعدم وجود خط مواصلات مباشر، فضّل كثير من الناس قطع المسافة مشيًا، وهي مسافة قد تصل إلى خمسة أو ستة كيلومترات.
فالرقشة التي كان مشوارها بألفين جنيه أصبحت اليوم بعشرة آلاف،والأمجاد بألفين وخمسمائة إلى السوق، ومن السوق إلى المنطقة الصناعية بالمبلغ نفسه. وهكذا أصبح المشي أرحم للجيب من الركوب!
قلت لصديقي:
«لازم نلفت نظر السلطة المحلية للحكاية دي. نحن محتاجين خط مواصلات مباشر يربط شمال المدينة بجنوبها، ويختصر المسافة على العمال والطلاب وأصحاب الأعمال، ويخفف عنهم تكلفة الترحيل والجهد البدني.»
والحقيقة أن الرقشة نفسها كانت يومًا من أهم حلول المواصلات في مدني. جاءت لتحل محل التاكسي الأحمر الذي كان عنوانًا مميزًا للمدينة، ثم ما لبث أن اختفى جزء كبير منه واتجه إلى الأرياف. وكانت الرقشة مشروع عمل ناجحًا لكثير من الشباب، ومصدر دخل إضافيًا لأسر كثيرة، كما أسهمت في حل مشكلة ترحيل طلاب المدارس ورياض الأطفال، وكانت لها أفضال لا تُنكر على سكان المدينة.
لكن مع ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف التشغيل، أصبحت الرقشة نفسها تقترب من أن تكون وسيلة رفاهية لا يقدر عليها كثير من الناس.
وبينما نودع الرقشة التي أبلت بلاءً حسنًا، ربما حان الوقت لنرحب بالدراجات الكهربائية، باعتبارها وسيلة فردية قليلة التكلفة، يمكن أن تكون حلًا عمليًا للعمال والموظفين والطلاب وحتى بعض أصحاب الأعمال والتجار.
وقديمًا كان يعجبني في عطبرة ذلك المشهد الصباحي الجميل؛ العمال يخرجون مبكرًا إلى أعمالهم على الدراجات، بكل همة ونشاط، بينما نحن نركب القطارات.
كانت السكة الحديد يومها قد أبلت بلاءً حسنًا، وكانت بحق شريان الحياة الذي يربط مدن السودان وأهله.
واليوم، ربما لا نحتاج إلى انتظار الحل الكبير حتى تتحرك الحياة. أحيانًا تكون البداية بسيطة: طريق آمن للدراجة، وخط مواصلات مباشر، ودراجة كهربائية في متناول الناس.
فمدني التي عادت من الحرب تستحق أن تتحرك من جديد… لا أن يمشي أهلها خمسة أو ستة كيلومترات بحثًا عن المواصلات.







إرسال تعليق