الجودية… حكمة سودانية بروح زهير

  • بتاريخ : 29 مارس، 2026 - 8:05 م
  • الزيارات : 49
  • بقلم / الطيب مضوي شيقوق

    “محامي- مستشار قانوني”

    ليس الشعر العظيم ابن زمانه وحده، بل ابن التجربة الإنسانية كلّها. ولهذا، حين نفتح معلّقة زهير بن أبي سلمى اليوم، لا نشعر أننا نقرأ نصًا من صحراء بعيدة في التاريخ، بل كأننا نصغي إلى حكيمٍ سوداني يجلس في ظل شجرةٍ وارفة، يروي للناس كيف تبدأ الفتن صغيرة، وكيف تكبر حين يعجز العقل عن إطفاء أول شرارة.
    لقد عاش زهير زمنًا أنهكته الحروب القبلية، ورأى بعينيه كيف تتحول أسبابٌ تافهة إلى دماءٍ لا تنتهي. ولم يكن وحده شاهدًا على ذلك؛ فالتاريخ الإنساني كله يروي القصة ذاتها، لكن السودان — في وجعه الراهن — يعرفها معرفة القلب لا معرفة الكتب.

    حين تفقد القبيلة حكماءها

    الحروب القبلية لا تبدأ بالسيوف، بل تبدأ حين يغيب الصوت الذي يقول: كفى.
    تبدأ حين ينتصر الغضب على التروّي، وحين يصبح الثأر أسرع من التفكير.
    هكذا فهم زهير الحرب؛ لم يرها بطولة، بل عجزًا جماعيًا عن إيقاف الانحدار. كانت الحرب عنده نارًا تُشعلها الأيدي نفسها التي ستكتوي بها لاحقًا. وما أشبه الأمس باليوم، حين نجد نزاعاتٍ تنفجر لأسبابٍ محدودة، لكنها سرعان ما تتسع حتى تتجاوز أصحابها، وتبتلع قرىً كاملة وذكرياتٍ مشتركة صنعتها سنوات التعايش.
    في السودان، لم تكن القبيلة يومًا مرادفًا للفرقة، بل كانت بيتًا واسعًا للنجدة والتكافل. غير أن البيت نفسه قد يضيق حين تغيب عنه الحكمة.

    الجودية: حين يتقدّم العقل على السلاح

    في قلب المجتمع السوداني تقليدٌ عريق اسمه الجودية؛ ذلك الاجتماع الصامت الذي يتقدّم فيه الحكماء قبل أن يتقدّم المقاتلون، حيث تُطفأ النيران بالكلمة قبل أن تُطفأ بالدم.
    الجودية ليست إجراءً عرفيًا فحسب، بل فلسفة اجتماعية عميقة تقوم على فكرة بسيطة وعظيمة: أن بقاء الناس أهم من انتصارهم المؤقت.
    وهنا يلتقي السودان بزهير.
    فالشاعر الجاهلي لم يمجّد من أشعلوا الحرب، بل مدح الذين أوقفوها. رفع مكانة صانعي السلام، لأنهم امتلكوا شجاعة نادرة: شجاعة التنازل من أجل المستقبل.
    إن الذي يوقف القتال لا يخسر هيبته، بل يربح الزمن.

    حكمة التجربة لا حماسة اللحظة

    لغة زهير هادئة كصوت شيخٍ جرّب الحياة طويلًا. لم يكن شاعر اندفاع، بل شاعر نتيجة. كلماته تشبه خلاصة أعوامٍ من التأمل، ولذلك بقيت حيّة؛ لأنها لم تُكتب للحظة غضب، بل لحظة وعي.
    وهذا ما تحتاجه المجتمعات الخارجة من النزاعات: الانتقال من حرارة الانفعال إلى برودة الحكمة. فالحرب تصنعها لحظة، أما السلام فيحتاج إلى صبر العارفين بثمن الدم.
    في مجالس الجودية السودانية، حين يسود الصمت قبل الكلام، يولد السلام ببطء، كما تولد الفكرة العميقة في ذهن شاعر حكيم.

    الوطن… حين تتسع الدائرة

    لم يدعُ زهير إلى إلغاء القبيلة، بل إلى تهذيبها بالأخلاق. فالانتماء يصبح خطرًا فقط حين يتحول إلى جدارٍ يفصل بين الناس بدل أن يكون جسرًا بينهم.
    والوطن، في معناه الأجمل، ليس خصم القبيلة، بل فضاءها الأوسع؛ المكان الذي تجد فيه الهويات الصغيرة معنى أكبر للبقاء المشترك.
    السودان، بتاريخ تداخله الإنساني وتنوعه الثقافي، لم يُبنَ على التشابه، بل على القدرة النادرة في تحويل الاختلاف إلى معاشٍ يومي طبيعي. ولذلك فإن الجودية ليست مجرد تقليد اجتماعي، بل أحد أعمدة الفكرة السودانية نفسها.

    ما الذي يبقى بعد أن تهدأ البنادق؟

    يعلمنا زهير أن الإنسان لا يسكن بعد رحيله إلا ما بناه من أثر.
    فالحروب تترك وراءها صمتًا ثقيلًا، أما الصلح فيترك حياةً قابلة للاستمرار.
    الأطفال لا يتذكرون من انتصر، بل يتذكرون من أعاد الأمان.
    والقرى لا تعيش على ذكريات المعارك، بل على لحظة المصافحة الأولى بعد الخصام.
    هنا تتجلى عظمة الجودية؛ فهي لا تبحث عن غالبٍ ومغلوب، بل عن مجتمعٍ ينجو.

    خاتمة: حين يتكلم شاعرٌ بلسان السودان

    لو جلس زهير اليوم في أحد مجالس الصلح السودانية، لما شعر بالغربة. كان سيعرف الوجوه، ويفهم الصمت، ويبتسم حين يرى شيخًا ينهض ليقول كلمة تُطفئ نارًا كادت تمتد.
    لأن الحكمة واحدة، مهما اختلفت الأزمنة.
    الجودية، في جوهرها، هي الشعر حين يتحول إلى فعل، والحكمة حين تنزل من القصيدة إلى حياة الناس. إنها إعلانٌ هادئ بأن السلام ليس ضعفًا، بل أعمق أشكال القوة الإنسانية.
    وهكذا يظل صوت زهير — بعد قرون طويلة — يردد المعنى ذاته:
    إن الأمم لا تُقاس بعدد معاركها، بل بعدد المرات التي اختارت فيها أن تتصالح مع نفسها.
    إن رغبت، يمكنني الآن أن أقدّم نسخة أكثر كثافة بلاغية أقرب إلى أسلوب المقالات الفكرية الكبرى، أو نسخة تُضاف مباشرة إلى مشروعك ضمن دفاتر الزمن الجميل مع خاتمة وجدانية أقوى.