الثورة كفعل تأسيسي: في بناء الدولة والسيادة والشرعية (6-7)

  • بتاريخ : 15 أبريل، 2026 - 9:50 ص
  • الزيارات : 8
  • *حوارات حول الأفكار(208)*
    بقلم / د. حيدر معتصم مدني
    مدير مركز الخرطوم للحوار

    *بين الفكرة والممارسة:كيف* *تحوّلت الثورات السودانية* *إلى مواسم للإقصاء؟*
    لم تكن الأزمة في التجربة الثورية السودانية يومًا أزمة شعارات، بقدر ما كانت أزمة في فهم تلك الشعارات وترجمتها إلى ممارسة سياسية راشدة. فمنذ الاستقلال، ظل الوجدان السوداني قادرًا على إنتاج لحظات ثورية عالية النقاء، ترفع مطالب جامعة تتجاوز الانقسامات، وتؤسس – نظريًا – لفضاء وطني يقوم على الحرية والسلام والعدالة، غير أن هذه اللحظات نفسها، وبصورة تكاد تكون متطابقة، سرعان ما تنزلق إلى مسارات مغايرة، تُفرغ الفكرة من مضمونها، وتحولها إلى أداة في صراع سياسي لا يعترف إلا بمنطق الإقصاء.
    ليست ثورة ديسمبر استثناءً في هذا السياق، بل هي التعبير الأحدث عن نمط تاريخي متكرر، ظل يلازم التجربة السودانية منذ فجر الاستقلال: تحوّل اللحظة الثورية إلى موسم مفتوح للعزل السياسي وتصفية الحسابات. ففي أعقاب كل ثورة، يبدأ خطاب جديد في التشكل، لا يقوم على إعادة بناء الدولة، بل على إعادة تعريف من يحق له أن يكون جزءًا منها. وهنا، يتبدل موقع الفكرة من كونها إطارًا قيميًا جامعًا، إلى أداة فرز واستبعاد، تُستخدم لتصنيف المجتمع إلى فئات متقابلة: ثوريون في مقابل أعداء الثورة، وطنيون في مقابل شركاء النظام السابق.
    في هذا التحول، يحدث خلط عميق بين مفهومين مختلفين: المساءلة القانونية والعزل السياسي، فبدل أن تُبنى آليات واضحة للمحاسبة وفق قواعد قانونية عادلة، يتم استبدال ذلك بمنطق اتهامي فضفاض، يتوسع تدريجيًا ليشمل ليس فقط من تورطوا في ممارسات النظام السابق، بل كل من يمكن ربطه به بأي صورة من الصور. وهكذا، تتحول العدالة من قيمة مؤسسة للدولة، إلى أداة في الصراع السياسي، وتفقد قدرتها على ضبط المجال العام.
    هذا المسار لا يمكن فهمه بمعزل عن غياب الدولة كإطار مرجعي حاكم. ففي ظل هشاشة المؤسسات، وعدم وجود دستور متوافق عليه يحدد قواعد اللعبة السياسية، يُترك المجال مفتوحًا أمام القوى المختلفة لإعادة تشكيل الواقع وفق تصوراتها الخاصة. وهنا، لا تعود السياسة ممارسة منظمة داخل إطار الدولة، بل تتحول إلى امتداد للعقلية القبلية، حيث يُعاد إنتاج منطق “إما أنا أو أنت” داخل فضاء يفترض أنه وطني جامع.
    في هذه البيئة، يصبح الخوف من عودة النظام السابق عاملًا مُفَسِرًا – لكنه ليس مبررًا – لتوسيع دائرة الإقصاء. فبدل أن يُدار هذا الخوف عبر بناء مؤسسات قوية وقواعد واضحة تمنع عودة الاستبداد، يتم التعامل معه من خلال محاولة استئصال كل ما يمت بصلة للماضي، دون تمييز دقيق بين المسؤولية الفردية والانتماء العام. ومع اتساع هذا المنطق، تتحول الثورة من مشروع لإعادة بناء الدولة، إلى عملية مستمرة لإعادة إنتاج الخصوم.
    *وهنا تكمن المفارقة الأكثر* *خطورة:*
    الثورة التي يفترض أن تعيد بناء المجتمع، تبدأ فعليًا بتفكيكه.
    فمع كل مرحلة ثورية، تتشكل قائمة جديدة من “المستبعدين”، لا تتوقف عند حدود النظام السابق، بل تمتد لتشمل قوى كانت جزءًا من الحراك نفسه. وبمرور الوقت، تتسع دائرة الشك، وتضعف الثقة بين مكونات المجتمع، ويتحول الصراع من كونه موجهًا نحو تغيير بنية السلطة، إلى صراع داخلي حول من يملك شرعية التمثيل،بهذا المعنى، فإن الخلل في التجربة السودانية لا يكمن فقط في الفشل في تطبيق الشعارات، بل في سوء فهم طبيعة الفكرة نفسها. فالحرية ليست حرية فئة دون أخرى، والعدالة ليست أداة للانتقام، والسلام لا يمكن أن يُبنى على الإقصاء. هذه القيم، في جوهرها، ليست شعارات مرحلية، بل قواعد دائمة لتنظيم الاختلاف داخل المجتمع.
    *لكن ما يحدث في الواقع* *هو العكس تمامًا:*
    تُستخدم الفكرة لتبرير الممارسة، بدل أن تُستخدم الممارسة لتجسيد الفكرة.
    وهنا ينقلب المعنى، وتفقد الثورة قدرتها على التحول إلى مشروع دولة.
    إن قراءة هذا النمط بوصفه ظاهرة تاريخية متكررة، لا مجرد انحراف مرحلي، تفتح الباب أمام سؤال أكثر عمقًا: كيف يمكن كسر هذه الحلقة؟ وكيف يمكن الانتقال من ثورات تُسقط الأنظمة، إلى عمليات تأسيس تُعيد بناء الدولة؟
    الإجابة لا تكمن في إنتاج شعارات جديدة، بل في إعادة تأسيس العلاقة بين الفكرة والممارسة، من خلال بناء إطار مؤسسي واضح يضبط هذه العلاقة، وهذا الإطار يبدأ بدستور متوافق عليه، يُحدد قواعد المشاركة السياسية، ويضع حدودًا واضحة بين المساءلة والعزل، ويضمن أن تظل الدولة فضاءً مشتركًا لجميع مواطنيها، لا غنيمة تتقاسمها القوى المنتصرة.
    بدون ذلك، ستظل كل ثورة، مهما كانت نقية في بدايتها، معرضة لأن تتحول إلى حلقة جديدة في سلسلة الإقصاء، ويظل السؤال عن الدولة مؤجلًا، بينما يستمر الصراع على السلطة في إعادة إنتاج نفسه بأشكال مختلفة.
    وفي هذا التأجيل المستمر، لا تضيع فقط فرص الاستقرار، بل تضيع أيضًا الفكرة نفسها.