بقلم /دكتور الزبير حمزة الزبير
“المملكة العربية السعودية-استاذ جامعي”
من الصعب قراءة الأوضاع الحالية بوصفها من الثوابت الذي يمكن ان نبني عليه نتائج فالوضع يقوم على التغير المستمر والتفاعل مع الأحداث والمتغيرات المحلية والإقليمية والدولية ولهذا فإن التنبؤ بمسار الأحداث يظل أمراً معقداً مهما بلغت دقة التحليلات أو قوة المؤشرات فالأمر ليست معادلة رياضية يمكن حساب نتائجها مسبقاً بل هي ساحة تتقاطع فيها المصالح والطموحات والضغوط والتحديات الأمر الذي يجعل المشهد الحالي دائم الحركة والتبدل
عندما يتابع الناس الأحداث فإنهم غالباً ما ينقسمون بين متفائل ينتظر نتائج إيجابية ومتخوف يرى في التطورات القادمة تهديداً لمصالحه أو استقرار الأوضاع. وبين هذين الموقفين تبقى الحقيقة أن المستقبل لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة وأن ما يبدو اليوم مؤكداً قد يصبح غداً مجرد احتمال لم يتحقق لذلك يردد الكثيرون عبارة ننتظر ما تأتي به الأيام ليس تعبيراً عن السلبية أو العجز بل إدراكاً لحقيقة أن الزمن وحده قادر على كشف الصورة الكاملة
لقد أثبت التاريخ أن التحولات الكبرى كثيراً ما جاءت على غير توقعات المراقبين والخبراء فكم من تحالفات اعتبرت راسخة ثم انهارت في وقت قصير وكم من خلافات بدت مستعصية ثم انتهت بتسويات غير متوقعة كما أن القرارات التي تتخذ في لحظة معينة قد تعاد مراجعتها عندما تتغير الظروف أو تظهر معطيات جديدة ولهذا فإن التوسط والمرونة أصبحت من أهم السمات في العصر الحديث
وتزداد حالة عدم اليقين في ظل عالم يشهد تغيرات متسارعة على مختلف المستويات فالأزمات الاقتصادية والتطورات الأمنية والتقدم التكنولوجي والتغيرات الاجتماعية كلها عوامل تؤثر بشكل مباشر في صناعة القرار السياسي كما أن العولمة جعلت الدول أكثر ارتباطاً ببعضها البعض بحيث يمكن لحدث يقع في منطقة معينة من العالم أن يترك آثاراً بمختلف أنواعها في مناطق بعيدة خلال فترة زمنية قصيرة
ومن هنا فإن قراءة المشهد الحالي تتطلب قدراً من التوازن والموضوعية فالمبالغة في التفاؤل قد تؤدي إلى تجاهل المخاطر المحتملة كما أن الإفراط في التشاؤم قد يحجب رؤية الفرص المتاحة والحكمة تكمن في متابعة الأحداث بعقل منفتح وتحليل الوقائع بعيداً عن الانفعال أو التسرع في إصدار الأحكام
إن الاوضاع في جوهرها تنبني علي الجري وراء المصالح وتحقيق للأهداف ضمن ظروف متغيرة باستمرار ولذلك فإن نجاح أي دولة أو قيادة أو مؤسسة يعتمد إلى حد كبير على قدرتها على التكيف مع المتغيرات والاستجابة للتحديات الجديدة فالجمود في عالم متحرك قد يؤدي إلى فقدان الفرص بينما تساعد المرونة والتخطيط الاستراتيجي على مواجهة الأزمات والاستفادة من التحولات
ورغم حالة الغموض التي قد تحيط ببعض القضايا فإن الأيام تبقى العامل الحاسم في كشف الحقائق وإظهار النتائج فما يُناقش اليوم على أنه مجرد توقع أو احتمال قد يصبح غداً واقعاً ملموساً ولهذا فإن المتابعة الواعية للأحداث والاعتماد على المعلومات الدقيقة، وفهم السياقات المختلفة كلها أمور تساعد على تكوين رؤية أكثر نضجاً وواقعية
وفي النهاية ستظل الاوضاع مجالاً لا يعرف الثبات المطلق وستبقى الأحداث عرضة للتغير والتبدل وفق ما تفرضه المصالح والظروف والمتغيرات وبين الأمل والحذر وبين التوقع والواقع يبقى الجميع في حالة ترقب لما يحمله المستقبل فالأيام وحدها قادرة على كشف ما تخفيه الكواليس وإظهار الاتجاه الذي ستسلكه الأحداث سواء جاءت النتائج في صالح هذا الطرف أو ذاك لذلك لا يبقى أمام المتابع إلا أن يراقب المشهد بعين واعية منتظراً ما تأتي به الأيام في عالم تتغير فيه الأحداث











إرسال تعليق