إن كان العدو أخاك… فأعلن هزيمتك قبل انتصارك

  • بتاريخ : 13 يونيو، 2026 - 4:23 م
  • الزيارات : 7
  • قهوتي || شذى عبدالله طه

    ثمة معارك في هذه الحياة لا تُقاس نتائجها بمن يقف في النهاية على منصة التتويج، بل بما تتركه خلفها من رماد. معارك يخرج منها الإنسان كاسبًا في نظر المحيطين به، يصفق له الآخرون بحرارة لأنه انتصر، بينما يقف هو بينه وبين نفسه في عتمة الليل متسائلًا بمرارة: ماذا ربحت حقًا؟ وماذا خسرت في الطريق؟

    حينها فقط يدرك أن بعض الانتصارات تأتي متأخرة جدًا، بعد أن تكون قد مرّت فوق القلوب كالعاصفة وخلّفت فيها ما لا تصلحه الأيام، وأن بعض الهزائم هي في حقيقتها الحصن الأخير للحفاظ على شيء أكبر وأبقى من لحظة إثبات رأي عابر أو كسب موقف زائل.

    لذا، إذا وضعتك الأيام يومًا في مواجهة أخيك، فانتبه جيدًا للهاوية التي تقف على حافتها. فمن طبيعة الحياة أن يختلف البشر، وتتباين الطباع، وتتزاحم المصالح، وقد تزرع الأيام بين الإخوة ما لم يكن في الحسبان. لكن الخطر الحقيقي لا يبدأ أبدًا عند الخلاف، بل عندما يتحول ذلك الخلاف إلى رغبة عارمة في الغلبة، ويصبح الهدف هو كسر الآخر لا الفهم، والانتصار للنفس لا الانتصار للحقيقة.

    عندها تتجاوز الكلمات حدودها، ويتسع الجرح، ويبدأ كل طرف في نبش أخطاء الآخر كالمحارب الذي يجمع سلاحه قبل القتال، في وهمٍ جماعي بأنهم يدافعون عن الحق، بينما هم في الحقيقة يهدمون بأيديهم جسرًا طويلًا من الذكريات والمحبة والتاريخ المشترك.

    إن الأخ ليس مجرد شخص تجمعك به صلة دم أو سنوات معرفة، بل هو ذلك الجزء من عمرك الذي لا يمكن استعادته إذا ضاع. هو الشاهد الأوحد على نسختك الأولى قبل أن تكبر، وعلى أحلامك قبل أن تنضج، وعلى تفاصيل طفولتك التي لا يعرفها أحد سواه. يعرف ضعفك الذي تخفيه عن الناس، ويتذكر أيامك قبل أن تصنعك الحياة كما أنت اليوم.

    فالغريب إذا ابتعد وجد القلب له بديلًا، أما الأخ ففراغه لا يملؤه صخب الدنيا ولو ازدحم الناس من حولك.

    وكم هي موحشة تلك اللحظة التي يرى فيها الإنسان أخاه يتعب أو ينكسر أو يحتاج كتفًا يستند إليه، بينما يقف بينهما جدار سميك من الخصومة والكبرياء يمنعه من الاقتراب. عندها تسقط كل الانتصارات السابقة وتصبح بلا قيمة.

    فما قيمة أن تكون محقًا بينما يقف أخوك وحيدًا في مواجهة الحياة؟ وما قيمة أن تربح الجدال وتخسر المودة والسند؟ وما قيمة أن تثبت أنك على صواب إذا كان الثمن قلبًا كان يومًا أقرب إليك من نفسك؟

    والأشد وجعًا أن الحياة لا تُمهلنا دائمًا فرصة ثانية. فكثير من الناس يؤجلون المصالحة إلى الغد، ويؤجلون كلمة الود إلى وقت آخر، ويظنون أن الأيام طويلة بما يكفي لترميم ما تصدّع. ثم يكتشفون متأخرين أن بعض الأبواب إذا أُغلقت لا تُفتح بسهولة، وأن بعض الفرص إذا مضت لا تعود، وأن الندم مهما كبر لا يملك القدرة على إعادة لحظة ضاعت.

    إن الحياة أقصر بكثير من أن نقضيها في إثبات من كان على حق، وأقصر من أن نسمح لعنادنا أن يحرمنا من أشخاص كانوا يومًا نبض قلوبنا. وفي نهاية المطاف، لن يتذكر أحد تفاصيل الخلاف، لكن الجميع سيتذكر الوجوه التي غابت بسببه، والفراغ القاتل الذي تركه الغياب.

    إن أجمل ما في الأخوة أنها لا تقوم على الكمال، بل على الرحمة، وعلى التغاضي حين يستدعي الأمر التغاضي، وعلى القدرة على تقديم المحبة على المكابرة، والقرب على العناد. فليس كل تراجع هزيمة، وليس كل انتصار مكسبًا.

    التنازل هنا ليس ضعفًا، بل قمة الحكمة. والاعتذار ليس انكسارًا، بل منتهى الشجاعة. وبعض الذين يبدون مهزومين أمام الناس، يكونون في الحقيقة أكثرهم انتصارًا لأنهم اختاروا أن يحافظوا على إنسان أحبوه بدل أن ينتصروا عليه.

    فإذا وجدت نفسك يومًا في مواجهة أخيك، اسأل قلبك قبل عقلك: هل يستحق هذا الموقف أن أخسر إنسانًا أعرف قيمته؟ هل سأكون سعيدًا بكبرياء أجوف فوق ركام علاقتنا؟ وهل سأشعر بالراحة إذا انتصرت اليوم، ثم اكتشفت غدًا أنني خسرت شخصًا لا تعوضه الدنيا كلها؟

    إن كان العدو أخاك… فأعلن هزيمتك قبل انتصارك. ليس عجزًا، ولا ضعفًا، بل لأنك تدرك أن هناك أشياء في الحياة أثمن من أن تُوضع في ميزان الربح والخسارة.

    وإياك أن يسقط أخاك وأنت على قيد الحياة. إياك أن يحتاجك فلا يجدك. وإياك أن يبحث عنك في لحظة انكساره بينما أنت مشغول بعدّ انتصاراتك الصغيرة. فالدنيا قاسية بما يكفي، وما أثقلها على الإنسان حين يواجهها بلا سند ممن يحب.

    فحين تنتهي كل المعارك، وتسقط المبررات، ويهدأ صخب الأيام، لن يشغلك كثيرًا من كان على حق، ولا من كسب الجولة الأخيرة، بل سيطاردك سؤال واحد فقط:

    حين احتاجك أخاك… هل كنت هناك؟

    قهوتي- أحب- شربها- باردة