إعادة الإعمار الاقتصادي … الركيزة اللازمة لبناء السلام و التنمية

  • بتاريخ : 29 مايو، 2026 - 7:57 م
  • الزيارات : 4
  • بقلم / د. على الله عبد* *الرازق على الله

    “باحث و خبير اقتصادي و مالي”

    *_١_*
    يُعد التعافي الاقتصادي ركيزة أساسية لإعادة الإعمار بعد الحروب . عليه فإن الإصلاحات الاقتصادية ضرورة ملحة للتقليل من مخاطر تكرار الصراع، وتوفير فرص العمل، وتشجيع الاستثمار، واستعادة الثقة في المؤسسات الاقتصادية. عليه فإن السياسات الاقتصادية ينبغي أن تهدف إلى استعادة قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية، وتطبيق سيادة القانون، وضمان الأمن للمجتمع ككل.
    *_٢_*
    كما أن إعادة الإعمار يجب ألا تركز فقط على العودة إلى الهيكل الاقتصادي السابق للحرب، الذي ربما كان جزءاً من المشكلة. بدلاً من ذلك، يجب أن تهدف جهود إعادة الإعمار إلى تغيير أو إلغاء المؤسسات التي أسهمت في تأجيج الصراع….
    *_٣_*
    غالباً ما يتطلب هذا التحول إجراء إصلاحات هيكلية تهدف إلى معالجة أوجه عدم المساواة التي قد تكون أسهمت في اندلاع العنف ، خصوصا الفوارق الاقتصادية، تلك القائمة على الهوية الجماعية (الإثنية، الطائفية، أو الإقليمية)، بالتالي يمكن أن يكون ذلك بيئة خصبة لتجدد الصراع. ففي عديد من الحروب الأهلية، تلعب المظالم الاقتصادية، مثل التفاوت في الوصول إلى الموارد والعدالة إلى الفرص، دوراً كبيراً في تأجيج العنف. لذلك، يجب أن تكون الإصلاحات الاقتصادية في صلبها تعزيز الإدماج، لضمان حصول جميع فئات المجتمع على فوائد إعادة الإعمار…
    *_٤_*
    كما أن توفير فرص العمل لأفراد المجتمع يعد قضية أساسية في تلك المجتمعات. فالبطالة، خصوصاً بين الشباب، تُعد محركاً رئيسياً لعدم الاستقرار. ففي العالم العربي، كانت البطالة المرتفعة بين الشباب عاملاً رئيسياً في الاضطرابات التي شهدتها المنطقة خلال الربيع العربي. ومن ثم فإن توفير فرص العمل يجب أن يكون في قلب أي أجندة لإعادة الإعمار، حيث إنها لا تحسن سبل العيش فحسب، بل تعزز أيضاً الاستقرار الاجتماعي..
    *_٥_*
    ومن وجهة نظر سياسية بحتة، فإن فرص العمل تمنح الأفراد مصلحة في النظام بعد الصراع مما يقلل من احتمال لجوئهم إلى العنف في محاولة لتغيير الوضع القائم..
    على الجانب الآخر، تتضح ضرورة إجراء إصلاحات اقتصادية كلية وجزئية في الدول الخارجة من الصراع لتحقيق الاستقرار والنمو..
    *_٦_*
    يتطلب الاستقرار الاقتصادي الكلي سرعة معالجة مشكلات مثل معدلات التضخم المرتفعة والعجز المالي وميزان المدفوعات. حيث السيطرة على التضخم تُعد مهمة أساسية لضمان استقرار البيئه الاقتصادية وتعزيز القوة الشرائية، مما يمهد لبناء السياسات النقدية و المالية الفعالة وبناء مؤسسات قادرة على إدارة التضخم. أما الإصلاحات الاقتصادية الجزئية، ينبغي أن تسعى لضمان توزيع عادل لفوائد السلام والنمو. تشمل هذه الإصلاحات ضمان حقوق الملكية، تنظيم الأسواق، وتنظيم إدارة الموارد الطبيعية…
    *_٧_*
    في كثير من الدول الخارجة من النزاعات، يؤجج سوء إدارة الموارد من احتمالية الفساد الذي يؤدي بدوره إلى خلق سبل جديدة نحو العنف، لذا فإن إنشاء آليات شفافة لإدارة هذه الموارد يعد أمراً حاسماً لاستقرار طويل الأمد.
    تعتبر عمليات الحوكمة والإدماج السياسي كذلك شرط لازم لإعادة السلام ، بينما تعد الإصلاحات الاقتصادية ضرورية، فإنها يجب أن تترافق مع إصلاحات سياسية تعزز الحوكمة الشاملة. إن أحد الدروس الأساسية المستفادة من جهود إعادة الإعمار في مختلف أنحاء العالم هي أن الإقصاء السياسي غالباً ما يؤدي إلى تجدد العنف. ومن ثم يمكن القول إن المؤسسات السياسية الشاملة التي المتستوعب مواطنيها بشكل كامل هي ضرورية للحفاظ على السلام في المجتمعات الخارجة من الصراع..
    تشمل الحوكمة الشاملة أيضاً معالجة قضايا الفساد واستحواذ النخب على الموارد العامة. فإن واقع الأمر أن الفساد الذي يعد مشكلة متفشية في عديد من الدول حيث يقوض الثقة في الحكومة ويضعف شرعية الدولة. ومن ثم تصبح الشفافية والمساءلة هما مفتاح استعادة ثقة الجماهير…
    *_٨_*
    في هذا السياق، يعد من المناسب أن تتم الدعوة إلى قيام عقد اجتماعي جديد بين الشعب والدولة. و بدوره يجب أن يعكس هذا العقد الاجتماعي الجديد تطلعات المواطنين، ويضمن توزيع فوائد إعادة الإعمار بشكل عادل، ومن ثم يؤكد أن الدولة قادرة على تقديم الخدمات الأساسية…
    *_٩_*
    غير أنه في حالة السودان وغيرها من دول المنطقة يظل العنصر الأهم المفقود في عملية إعادة الإعمار هو الإرادة السياسية بين أطراف الصراع للتوصل إلى حلول تساومية تضمن على الأقل تشارك بعض المكاسب وتحمل بعض التنازلات بين تلك الأطراف. على العكس فإن انعدام الثقة سواء بين أطراف تلك الصراعات أو بينهم وبين الوكلاء والوسطاء الدوليين والإقليميين، تحمل في طياتها نذيراً بتقويض أي جهود جادة قد تنشأ لإعادة الإعمار . تلك النتيجة قد تشير إلى أن المعاناة المستمرة لملايين من المدنيين في المنطقة قد تصبح هي الواقع الجديد. تلك المعاناة التي قد تكون بدورها الجذوة التي ستشتعل منها صراعات أخرى في المستقبل…