أبي… كان البيت بيتاً بوجودك

  • بتاريخ : 4 يونيو، 2026 - 7:47 ص
  • الزيارات : 35
  • بقلم / م م الامام عبداللطيف

    في أول العمر نظن أن الأب شيء ثابت، مثل الحائط، مثل السقف، مثل الشمس التي تشرق كل صباح دون أن نسأل من أين تأتي.
    نكبر ونحن نمشي في ضوءه. نتعلم المشي ونحن نتشبث بأصبعه، نحفظ دروسنا ونحن نسمع صوته من الغرفة المجاورة، ننهض بعد كل سقوط لأننا نعرف أن هناك يداً ستُمد لنا دون أن نطلب.

    *ولا ننتبه*.

    لا ننتبه أن هذا الثبات ليس قدراً، بل تعبٌ يكتمه. أن هذه القوة ليست طبيعة، بل قرار يتجدد كل يوم. أن هذا الصمت ليس بروداً، بل محاولة لحمل أشياء كثيرة دون أن يثقلنا بها.

    *ثم تمر الأيام.*

    وكان للأب مكان آخر لا ننتبه لقيمته إلا بعد فواته: مجلسه مع أصحابه.
    ذاك الركن الذي يجتمع فيه الآباء آخر النهار، يتسامرون، يضحكون، يتناقشون في أمور الدنيا بصوت خافت فيه من الحكمة ما لا يوجد في الكتب.
    كنا نمر من أمامهم ونحن صغار فنسكت دون أن يأمرنا أحد، ننصت إليهم من بعيد، نضحك لضحكهم، ونهز رؤوسنا لكلام لا نفهمه كله، لكننا كنا نشعر بالأمان ونحن نسمعه.
    كان صوت الأب وسط أصحابه مختلفاً، أخف، ألين، فيه من الطمأنينة ما لا نجده في صوته داخل البيت.
    واليوم حين نعود بذاكرتنا إلى تلك المجالس، نكتشف أننا لم نكن نستمع لأحاديثهم فقط، كنا نستمع إلى زمن لن يعود، إلى رجال كانوا أعمدة بعضهم البعض، إلى ضحكات كانت تسند بيوتاً بأكملها.

    ولا يأتي الشيب دفعة واحدة. ولا يعلن المرض عن نفسه. ولا يقول التعب: أنا هنا.
    بل يتسلل كل شيء ببطء شديد، مثلما يخفت الضوء في آخر النهار. نظن أن النهار لا يزال طويلاً، إلى أن نفاجأ بالظلمة.

    أول ما يغيب هي التفاصيل الصغيرة التي كنا نألفها ولا نشكرها.
    الخطوة تصير أبطأ، وكأن الأرض صارت أثقل.
    الضحكة تصير أقصر، وكأن الصدر لم يعد يتسع لها كما كان.
    اليد التي كانت ترفعنا بسهولة صارت ترتجف وهي تحاول أن تخفي الإرتجاف.
    والصوت الذي كان يملأ البيت صار أهدأ، كأنه يعتذر منا على الإنخفاض.

    نسمع في سعاله كلاماً لم يقله.
    ونقرأ في صمته جملة واحدة يكررها كل يوم: “أنا بخير، لا تقلقوا”.
    رغم أن التعب صار مكتوباً على وجهه بخط واضح، مثل كتاب مفتوح لا نريد أن نقرأه.

    الأب لا يرحل مرة واحدة.
    يرحل على دفعات صغيرة نكابر أمامها.
    يرحل في نظرة لم تعد حادة كما كانت، في جلوسه الطويل وهو يتأمل الباب وكأنه ينتظر شيئاً لن يعود، في دعوته التي صارت تخرج بصوت واهن، في محاولته أن يلبس حذاءه فيأخذ وقتاً أطول مما ينبغي.

    ونحن نرى كل هذا، لكننا نؤجل.
    نؤجل الكلام. نؤجل الجلوس. نؤجل النظر في عينيه كما ينبغي.
    نظن أن هناك متسعاً من الوقت. أن الباب لا يزال مفتوحاً.

    ثم يأتي الغياب الكبير.

    والغريب أن الوجع الحقيقي لا يبدأ في يوم الرحيل.
    يبدأ في اليوم الذي نكتشف فيه أن الباب كان يغلق ببطء منذ زمن طويل، ونحن كنا نظنه لا يزال مفتوحاً.

    هناك حزن لا تكفيه الدموع.
    حزن أكبر من الصراخ وأهدأ من الكلام.
    حزن يصل متأخراً دائماً، في اللحظة التي نتمنى فيها دقيقة واحدة فقط. لا لنغير شيئاً، بل لنقول: شكراً. لنخبره أننا كنا نرى. أننا كنا نشعر. أننا كنا نستند على قوته حتى لو لم ننطق.

    وحين يغيب الأب، لا يغيب رجل فقط.
    يغيب شكل البيت الذي كنا نعرفه.
    يغيب الشخص الذي كان يدخله فيمتلئ بالطمأنينة، ويخرج منه فيترك وراءه أثراً لا يمحيه الزمن.
    يغيب السؤال الذي كان يقطع خوفنا: “كل شيء تمام؟”
    ويغيب الجواب الذي كان ينهي كل شيء: “تمام، ما دام أنا موجود”.

    ويبقى في الداخل فراغ.

    فراغ لا يملؤه الزمن. الزمن فقط يعلمنا كيف نحمل هذا الفراغ بصمت أقل قليلاً كل يوم. كيف نبتسم في حضرة ذكراه دون أن ننهار. كيف نقول لأولادنا عن الجد الذي لم يروه، ونحن نحاول أن نصف لهم ضوءاً كان يملأ البيت.

    لهذا، إن كان أبوك ما زال بقربك، لا تؤجل.
    لا تؤجل كلمة الشكر. لا تؤجل الجلسة بجانبه. لا تؤجل النظرة الطويلة في عينيه.
    قل ما تريد قوله اليوم، وبصوت واضح، وبقلب مفتوح.

    لأننا في النهاية لا نبكي الآباء على ما فعلوه لنا فقط،
    نبكيهم على كل الكلام الذي لم نقله، وهم ما زالوا يسمعون.
    ونبكي على الأيام التي مضت ونحن نظن أن البيت سيبقي بيتا الي الأبد .