نبض للوطن|| أحمد يوسف التاى
(1)
طالعنا حيثيات ، وتداعيات قرار والي القضارف القاضي بإخلاء غابة “كو” بالقوة الجبرية من السكان الذين كانوا يقطنوها قبل 13 عامًا من أولاد خريس “ود أم برور”، التابعة لقبائل رفاعة، واطلعتُ على خلفية النزاع، وحكم المحكمة بشطب الدعوى في مواجهة أولاد ابو خريس ، والإنزار الإداري الأول والثاني بإخلاء الغابة الموجه إليهم من السلطات المحلية..
اطلعتُ كذلك على ردود الفعل هنا وهناك إزاء استخدام القوة الجبرية لترحيل سكان الغابة إلى محلية القلابات، والبيانات المسجلة من النظار والعمد على رأسهم رئيس المجلس الأعلى لقبائل رفاعة النظار فيصل جميل، والناظر محمد أسد الله أمير إمارة رفاعة الوسط، والعمدة الحاردلو ونحوهم، وهي بيانات مزجت بين الشدة والحزم، واللين والحكمة، وبين الحِدة والهدوء، وبين الغضب وضبط النفس..
واطلعتُ ايضًا على بيان حكومة ولاية القضارف، وهو بيان، لاغبار عليه فيما يتصل بالحرص على الحق العام وحماية الغابات من التعدي والقطع الجائر…غير أنه تجاوز عقدة المشكلة الحالية، وتمترس حول مسلمات لاخلاف عليها.
(2)
من خلال متابعتي للقضية أن الإدارات الأهلية التي جلست مع الوالي، لم تبدِ اعتراضًا على قرار الإخلاء من حيث المبدأ ، لكنها بالمقابل تمسكت بحق منسوبيها في إيجاد البديل المريح لتوطينهم بما يليق بكرامة الإنسان، وهذا في تقديري حق مشروع ومنطقي جدًا..
وبحسب علمي ان حكومة الولاية اتفقت مع الإدارات الأهلية، وتحديدًا المجلس الأعلى لقبائل رفاعة على إيجاد الموطن الجديد لأولاد أبو خريس قبل تنفيذ الإخلاء ، وهذا ما لم يحدث بحسب إفادة الناظر فيصل جميل، لكن تم الإخلاء بالقوة الجبرية، وهو ما سبب صدمة لدى الإدارة الأهلية التي تفاجأت بالخطوة، وهو ايضًا ما ادى إلى ردة الفعل التي شاهدناها، وهي تتصاعد وتوشك ان يكون لها ضرام بفعل “النفخ” فيها، ولولا حكمة شيوخ وقادة قبائل رفاعة لتطور الامر إلى فتنة، وهي الحكمة التي نعول عليها كثيرًا في إنهاء هذه الأزمة..حكمة توازن بين حفظ واحترام القانون وهيبة الدولة، والتمسك بالحقوق في إطار القانون، بعيدًا عن الإنزلاق في مخططات أرباب الفتن..
(3)
أما من حيث التوقيت، فلم تكن حكومة الولاية موفقة إطلاقًا في تنفيذ قرارها ، فحتى لو تجاوزت الاتفاق مع الإدارة الأهلية لحل المشكلة بالحوار بعد توفير البديل المناسب ، وحتى لو أصرت على تنفيذ الإخلاء بالقوة الجبرية، فلم يكن التوقيت موفقًا، حيث اختارت الولاية التنفيذ أيام العيد فأفسدت بهجة العيد على الكبار قبل الأطفال ، الأمر الذي يطرح علامات استفهام كثيرة ومحيرة، فلماذا كان التنفيذ أيام العيد؟ هل كان المقصود الاستفزاز وإثارة غضب قبيلة كبرى مثل رفاعة، لها من السبق والبلاء والكسب ما يفخر به أي سوداني؟ فمن الذي يفكر لحكومة القضارف؟ وهل السودان ناقض فتن جديدة، وإثارة البلبلة، والإنصراف عن التحديات الكبرى.
(4)
شخصيا اجد نفسي مع فرض هيبة الدولة، وسيادة القانون، وحماية الغابات، والحياة البرية والطيور والثروات الغابية، لكني أجد نفسي أكثر مع العدالة التي هي أساس الملك، عدالة تصون الحقوق، إذ لايمكن لمن يدفع للدولة المليارات في الرسوم الضرائبية والقطعان ونحوها لايجد من الدولة ولا قطمير من خدماتها المبذولة للاجئين، وجيوش العطالى غير المنتجين، والسماسرة، وارباب الأنشطة الطفيلية المدمرة لاقتصاد البلد، بينما يحرم منها تماما دافعي المليارات للدولة.. فمن باب أولى ان يجهز لهم المأوى البديل المرضي وجبر الضرر قبل الإخلاء..
وإذ أجد نفسي مع سيادة القانون اجد نفسي أكثر ضد الظلم، وأجدها مع كرامة الإنسان الذي كرمه ملك الملوك رب العالمين ..
إن القانون الذي لايصون كرامة الإنسان، ولا يحمي حقوقه، ولايخفر ذمته، يصبح أداة سلطوية عوضًا عن وسيلة لتحقيق غاية كبرى، وهي العدل، وحفظ الحقوق..
(4)
نحن في ظروف نحتاج معها للحكمة وحسن التدبير أكثر من تطبيق القانون بقسوة وغلظة فيمن يستحقون الرحمة والشفقة والإكرام.. فرأس الحكمة أن يضع الحاكم الشدة والحسم في موضع الشدة والحسم، ويضع اللين والرحمة في موضعهما تماما، إذ ليس من الحكمة والعدل أن نستخدم اللين والرحمة مع من لايستحقونها كالعتاة المجرمين والفاسدين، ونستخدم الشدة والغلظة مع من هم أحوج الناس إليها
….اللهم هذا قسمي فيما املك..
نبضة اخيرة:
ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.










إرسال تعليق