السودان وعلل الفشل في بناء الدولة (12)

  • بتاريخ : 16 يونيو، 2026 - 2:18 م
  • الزيارات : 47
  • بقلم /م. مامون محمد الطيب عمر

    الحلقة – ١٢

    الإمبراطوريات الغربية الطامعة في الموارد الخام والأسواق تغزو .. فكيف غير هذا الغزو ملامح الشعوب المحتلة وأنماط عيشها و أعاد تشكيل مجتمعاتها و توزيع السلطة والثروة داخلها ..

    هل كان غزو الإمبراطورية البريطانية للسودان للثأر من أهل السودان لقتلهم عسكريا وسياسيا مرموقا منهم أسمه غردون باشا ( بريطاني حاكم عام على مستعمرة تتبع لدولة المماليك التي حكمت مصر في نفس الفترة) .. و تلك كانت مرحلة هامة لإنتقال ثقل السيطرة للمعسكر الغربي الرأسمالي ذو الوجه المسيحي على ما تبقى من أنفاس للإمبراطورية العثمانية حاملة لواء المسلمين الإخيرة ..

    أم كان الغزو لمأرب أخرى خفيت على الناس وقتها ..

    في نهاية القرن التاسع عشر (1900- 1800) كانت الإمبراطورية البريطانية في عنفوان قوتها رغم فقدان السيطرة على الأراضي الجديدة غرب الأطلسي في القرن الثامن عشر بالثورة الأمريكية وفقدان السيطرة بالتالي على إنتاج القطن وصناعة النسيج التي مثلت عصب الإقتصاد العالمي حينها فكان لابد من مصادر بديلة لهذه السلعة الإستراتيجية لتعويض الخسارة و مقابلة المنافس الأمريكي الجديد الذي تمكن من أسرار صناعة المنسوجات ومخططات الآتها الميكانيكية وتصنيعها محليا بسرقتها أو نقلها بشتى الوسائل من الإمبراطورية البريطانية ..

    كان السودان بارأضيه البكر الغنية وخاصة منطقة الجزيرة الواقعة جنوبا بين فرعي النيل والتجارب السابقة في نجاح زراعته في السودان وإضطراب الدولة فيه وقد أنهكتها الحروب الإقليمية والصراعات الداخلية المرشح الأفضل لإحتلاله و إستثمار أراضيه ومياهه وإنسانه لإنتاج سلعة القطن الإستراتيجية .. فتم التخطيط للغزو بحجج أولها الثأر لكبرياء الإمبراطورية العسكري وثانيها لمقتل غردون باشا ..

    مثلت الإمبراطورية بقوتها العسكرية الضاربة وآلتها الحربية الحديثة والدعم المتصل من قاعدتها بمصر الخديوية وتعاون الناقمين من قبائل السودان الشمالي على حكم عبدالله التعايشي الضربة الصادمة للدولة الهشة بأم درمان فتلاشت من الوجود في ساعات نهار فيما عرف بمعركة كرري أو النهر ..

    هذه الصدمة والحضور العسكري القوي الحاسم كانا الرسالة الأولى التي تلقتها الشعوب السودانية المواجهة للجيوش الغازية أو التي ساندتها بالتسهيل أو بغض الطرف عنها طوال مسيرة جيشها الغازي الطويلة جنوبا ..

    لتحقيق الهدف من جني ثمرة الإنتصار العسكري كان لابد من ضمان بناء الدولة و مؤسساتها بروح العصر وأدواته وكان لابد من ضمان الإستقرار المستدام للسلطة المركزية تمهيدا للأموال بالدخول و الإستثمار في إنتاج السلعة الأساس المستهدفة .. زهرة القطن البيضاء الناعمة ..

    إنتهت البداية بتحقيق السيطرة على الأرض وبدأ تنفيذ سياسة السيطرة على الأفراد ترهيبا وترغيبا بما يسمى كسب القلوب والعقول .. سياسة طويلة النفس أتت أكلها وأستهدفت المعتقد و وسائل دعمه وشرائعه و شعائره واللعب بذكاء على الإختلافات والموروثات الثقافية وتوالي صدمات الإنتقال والإنفتاح على عوالم جديدة في مظاهرها وعاداتها وسلوكها بقصد إحكام السيطرة على العنصر الأهم في معادلة الإنتاج .. العنصر البشري .. فكيف شكل الوجود البريطاني ملامح مجتمعات جديدة تأسست حول مراكز الإنتاج الجديدة وفي الحواضر والأرياف والبوادي على مدى ستة عقود ..

    أواصل ..