من دفاتر الرسوم إلى صفير القطار

  • بتاريخ : 6 يونيو، 2026 - 7:31 ص
  • الزيارات : 8
  • بقلم: أمين الجاك عامر – المحامي

    بينما كنت أطالع في الوسائط الإعلامية القرارات والمقالات التي تتناول قضايا التعليم، ولا سيما قرار مجلس الوزراء بتكوين لجنة قومية لمعالجة مشكلات التعليم في البلاد، عادت بي الذاكرة إلى مقال سابق كتبته بعنوان “رحلة في دروب التعليم”، استحضرت فيه زمناً كان فيه التعليم متاحاً بالمجان لأبناء السودان.

    وفي أثناء ترتيبي لبعض أوراقي القديمة، وقعت بين يدي مجموعة من الإيصالات المالية التي احتفظت بها على مر السنين، تحكي قصة طويلة من الرسوم والمصروفات التي دفعتها، وما زلت أدفعها، من أجل تعليم أبنائي منذ مرحلة الروضة وحتى الجامعة. عندها توقفت طويلاً، وسرحت بي الخواطر إلى الوالد عليه رحمة الله، الذي أفنى عمره في خدمة التعليم، وإلى أيام الطفولة والصبا التي عشناها معه متنقلين في ربوع السودان.

    كان من مزايا عمله في سلك التعليم أن تُمنح له ولأسرته تساريح سفر مجانية عبر السكة الحديد السودانية، درجة أولى نوم، فكانت الرحلات بالنسبة لنا مناسبة ينتظرها الجميع بشوق ولهفة. وما زلت أذكر روعة السفر بالقطار، واختلاف الحياة داخله؛ حيث كانت تتوفر فيه كل أسباب الراحة من مقاعد مريحة وأماكن للنوم وخدمات الطعام والشراب، وهي خدمات لو قورنت بما يقدم اليوم لوجدتها لا تقل عن مستوى كثير من الفنادق الراقية.

    ومن نافذة القطار كنا نرى سوداناً آخر؛ سودان البساطة والكفاح. ففي المحطات البعيدة عن المدن الكبرى كان القطار يتوقف بين الحين والآخر، فنشاهد الأطفال الحفاة والباعة الذين يركضون خلف العربات غير آبهين بالغبار والتراب، يعرضون ما جادت به مناطقهم من البيض والبطيخ والشمام والدليب والمانجو وعيش الريف في مواسم الإنتاج. وكانت تلك المشاهد درساً عملياً في معرفة الناس وأحوالهم، وجزءاً من متعة السفر التي لا تُنسى.

    ولذلك لم يكن السفر بالقطار مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، بل كان رحلة عامرة بالحياة، وملتقىً للناس، ومدرسة مفتوحة نتعرف من خلالها على السودان أرضاً وإنساناً. وما زالت ذكريات الرحلات بين ود مدني والخرطوم وكوستي وبورتسودان تسكن وجداني حتى اليوم.

    كانت الرحلة تبدأ ليلاً من محطة ود مدني، حيث تختلط أصوات الباعة بنداءات المسافرين، ويتجمع الناس على الرصيف يحملون حقائبهم وأشواقهم. يقف القطار شامخاً بعرباته الطويلة، ثم يطلق صفيره المميز إيذاناً بالرحيل. وما إن يتحرك ببطء حتى تتراجع أضواء المدينة خلف النوافذ، لتحل محلها حقول مشروع الجزيرة الممتدة إلى ما لا نهاية.

    وفي طريقنا إلى الخرطوم كان القطار يمر بالحصاحيصا والمسلمية وأبو عشر والمعيلق، أما في رحلات كوستي فكانت المحطات تتوالى: بركات، ود النور، العقدة، الحاج عبد الله، ود الحداد، سنار، جبل موية، جبل دود، ربك، ثم كوستي. ومع كل محطة كانت وجوه تغادر وأخرى تصعد، فتتجدد الحكايات والصداقات العابرة.

    أما الرحلات إلى الشرق فكانت تحمل سحراً خاصاً. فمن سنار يعبر القطار الدندر والقريشة والقضارف وسط سهول زراعية مترامية الأطراف. وفي موسم الخريف كانت الأرض تكتسي بالخضرة، فتبدو الرحلة كأنها لوحة طبيعية متحركة.

    ومن القضارف إلى دوكة والشواك ثم كسلا، يتغير المشهد تدريجياً. تلوح الجبال من بعيد حتى يظهر جبل التاكا شامخاً محتضناً مدينة كسلا الجميلة. وكان المسافرون ينتظرون تلك اللحظة بشغف، وكأنهم على موعد مع لوحة فنية نادرة.

    وبعد مغادرة كسلا نحو أروما وهيا، تبدأ جبال البحر الأحمر في الظهور، ثم تأتي جبيت وسنكات بمنحدراتها ووديانها ومناظرها الخلابة. وهناك كان الأطفال يلتصقون بالنوافذ يتابعون حركة القطار بين الجبال، بينما يتبادل الكبار الأحاديث والذكريات.

    ومع الاقتراب من بورتسودان، كانت رائحة البحر تسبق مشهده، فيدرك المسافر أنه على أعتاب مدينة مختلفة بطابعها ومينائها وناسها. وعندما يصل القطار أخيراً بعد رحلة طويلة، يكون قد عبر نصف السودان تقريباً، وشاهد تنوعه الجغرافي والبشري والثقافي في أبهى صوره، وأدرك حجم حاجة إنسان هذه البلاد إلى التنمية والتعليم والصحة والخدمات الأساسية التي تضمن له حياة كريمة.

    لقد كانت السكة الحديد أكثر من وسيلة نقل؛ كانت جسراً للوحدة الوطنية، ومؤسسة صنعت وجدان أجيال كاملة، وربطت أطراف البلاد بعضها ببعض. رحم الله تلك الأيام، ورحم رجال السكة الحديد الذين صنعوا ذلك المجد، وأبقوا في نفوس السودانيين حنيناً دائماً إلى صفير القطار، وإلى زمن كانت فيه الرحلة نفسها متعة، وكانت البلاد أكثر قرباً من بعضها وأكثر دفئا وانسانية .