بقلم/ د. رناد أبو كشوة
“طبيبة أسنان”
فتحت دفتري عشان أرتب أفكاري لليوم…
وقلت خليني أرجع ورا شوية… أقرأ.
ما كنت متوقعة إنو مجرد صفحات قديمة ممكن ترجّع لي كل المشاعر دي مرة واحدة.
مع كل صفحة أفتحها…
وكل سطر أقراه…
كنت بتأثر بطريقة غريبة جدًا.
مرة أضحك.
مرة أبكي.
مرة أقيف ساكت وأنا مستغربة:
“معقول دي أنا الكنت كاتبة الكلام دا؟”
الأغرب من كدا…
إنو أغلب الحاجات الاتكتبت اتحققت فعلًا.
يمكن ما 100٪ بالحرف…
لكن أقل شي 70٪ من النية، من الإحساس، من الفكرة الأساسية… اتحقق بطريقة أو بأخرى.
والمشاعر البتجيك وقتها صعبة تتوصف.
فخر.
انتصار.
رحمة غريبة تجاه نفسي القديمة.
شفقة على البنت الكانت قاعدة تكتب وهي مرهقة نفسيًا وجسديًا وتحاول تقنع نفسها إنها “حتقدر”.
كل صفحة كانت بترجعني للحظة.
أفتكر المكان.
الوقت.
شكل الإضاءة.
الإرهاق في عيني.
الفوضى الحوالي.
عدد الرسائل.
الخوف.
الإحساس إني مسؤولة عن حاجات أكبر مني بمراحل.
وأتذكر إني وقتها…
ما كنت أملك شي تقريبًا.
لا سيستم واضح.
لا فريق.
لا استقرار نفسي كامل.
ولا حتى ضمان إنو أي حاجة حتنجح.
كان عندي بس:
دفتر…
وقلم…
ويقين عنيد جدًا إنو ربنا ما بزرع حلم كبير في قلب زول عبث.
البداية: “من الظروف ما تشيلي هم”
رجعت لأول صفحة في الدفتر.
كانت مكتوبة في أواخر أغسطس 2024.
عنوان صغير…
لكن الليلة بحس إنه كان بوابة العبور الحقيقية لكل شيء حصل بعده:
“دفتر تحدي 4 شهور لدخول 2025 بحلة جديدة”
وتحت العنوان مباشرة…
كنت كاتبة الكلمات البسيطة دي:
“من الظروف ما تشيلي هم
بكرة الزمن ليك بيبتسم.”
“يا غالية يا شيتاً كُتر
يا نرجسة ويا سوسنة.”
وقفت طويل عند الصفحة دي.
لأن وقتها…
الظروف فعلًا كانت تقيلة.
اكتئاب و حزن حرب.
ضغط دراسة.
ضغط شغل.
قلق مستمر.
أفكار كثيرة.
خوف من المستقبل.
وحرب داخلية صامتة ما كان شايفها زول.
لكن رغم دا كله…
كنت بكتب لنفسي وكأني بطبطب على روحي:
“اهدَي… بكرة الزمن حيبتسم.”
والأغرب؟
إنه فعلًا ابتسم.
أغسطس 2024 — بداية الحلم الحقيقي
في يوم 24 أغسطس 2024…
كتبت أهداف حسيتها الليلة شبه مستحيلة بالنسبة للبنت الكانت قاعدة وقتها.
كتبت:
التوكل واليقين بالله
ابدأ من جديد…
أحسن شوية شوية.
لازم نعرف إنو ما حنصحى من النوم ونلقي أحلامنا اتحققت بالصدفة.
لازم نبذل مجهود عشان نحقق التغيير دا.
لازم نتغلب على التسويف والتأجيل.
التغيير بيبدأ بقرار من جوة أولاً.
بمجهود مستمر وصبر…
لازم أكون واعية وقوية عشان احقق أهدافي،
وأسعى بعدها ورا أهداف جديدة.
لازم أشتغل بجدية على تطوير علاقتي مع الزبائن والتسويق بفعالية..
العمل ما مجرد بيع..
هو خدمة لتحسين حياة المزارع وإضافة قيمة إضافية ليها.
تشجيع المزارع السوداني وتطوير الزراعة.
ده هدف نبيل جداً…
وأنا عندي القدرة إني أكون صوت التغيير في مجال الزراعة..
دايماً حأكون مصدر إلهام للمزارعين،
وحأوريهم كيف يزيدوا إنتاجيتهم ويطوروا طرق وتقنيات الزراعة.
جمع مبلغ ….
إذا قسمناه إلى أهداف صغيرة حيتتحقق…
تطوير الزراعة في السودان.
التأثير على المزارع السوداني.
جمع مبلغ …
التخرج من طب الأسنان.
بناء نسخة أقوى وأوعى مني.
وقتها…
ما كان عندي أي ضمان إنو الكلام دا حيحصل.
لكن كان عندي إيمان غريب إنو لازم أبدأ.
ولازم أكتب.
وفي نفس الصفحة كتبت جملة الليلة بعتبرها من أهم الجمل البنتني نفسيًا:
“أنا قيمتي أعلى من المليون دولار.”
“أنا أهم من أي هدف… لأن الهدف يحتاج وجودي كي يتحقق.”
وقتها ما كنت فاهمة عمق الكلام دا بالكامل.
لكن الليلة فهمت.
فهمت إن الإنسان لو خسر نفسه وهو بجري وراء أهدافه…
حتى لو نجح، حيكون خسران…
30 أغسطس 2024 — أول ورشة طماطم
بعدها بأيام…
في 30 أغسطس 2024…
انطلقت أول ورشة زيادة إنتاجية الطماطم.
وكانت مجرد فكرة صغيرة جدًا مقارنة بالحاصل الليلة.
لكن لما رجعت قرأت المحاور المكتوبة…
انصدمت.
لأن حتى وقتها…
كنت بفكر بعقلية “منظومة” مش مجرد بيع.
كنت كاتبة:
تحسين دخل المزارع.
تقليل التكاليف.
الزراعة الذكية.
زيادة الإنتاجية.
استغلال الموارد صح.
الفرص الاقتصادية للطماطم في السودان.
وقتها فهمت إن “أبوكشوة” ما اتولدت فجأة…
الفكرة كانت قاعدة تتخلق بهدوء داخل الدفتر من زمان جدًا.
سبتمبر 2024 — الحرب بين الأسنان والطماطم
أكتر الصفحات الكسرتني نفسيًا…
كانت صفحة 21 سبتمبر 2024.
لقيت نفسي كاتبة:
“كيف ممكن أكمل شيت معين في امراض الفم في يوم واحد؟”
“كيف ممكن أبيع … في … يوم؟”
“كيف أكون حاسمة ومنظمة ومنجزة؟”
وقريتها الليلة…
وحسيت إني دايرة أرجع أحضن البنت دي وأقول ليها:
“والله تعبك ما حيضيع.”
لأن وقتها كنت فعلًا بحاول أنقذ حياتين في نفس الوقت:
حلمي الزراعي…
ودراستي الطبية.
وكان الضغط أكبر من عمري الحقيقي بمراحل.
لكن رغم دا كله…
كنت بكتب قواعد للحياة كأني ببني دستور داخلي لنفسي.
كل ما زادت مسؤوليتك زادت الضغوط”
في 22 سبتمبر 2024…
كتبت الجملة دي:
“كل ما زادت مسؤوليتك زادت الضغوط.”
وقتها كنت فاكرة الضغط معناه إني بفشل.
لكن الليلة فهمت إن الضغط مرات ما دليل انهيار…
بل دليل توسّع.
دليل إن حياتك قاعدة تكبر عن نسختك القديمة.
وفي نفس الصفحة كتبت:
“إذا أردت أن تعمل يجب أن تسدد المستحقات قبل أن تركز مع الإيرادات.”
والغريب إنو الجملة دي لاحقًا بقت جزء أساسي من طريقة إدارتي للشغل والمال.
أبريل 2025 — “حاسة الشغل جايط”
دي الصفحة البتكسر قلبي كل مرة.
14 أبريل 2025.
كنت مرهقة جدًا.
وكتبت على جنب الصفحة بخط صغير:
“حاسة الشغل جايط.”
الكلمة دي وحدها كانت شايلة حجم ضغط ما طبيعي.
لكن بدل ما أستسلم للفوضى…
قعدت ورتبت حياتي بالورقة والقلم.
قسمت الرسائل لـ:
استشارات.
طلبات شراء.
أسئلة مكررة.
وكتبت:
“أنوي اليوم أتعامل مع الشغل بحب وهدوء.”
الليلة…
بعد سنة تقريبًا…
الشيء العجيب إن التقسيم العفوي دا بقى:
قسم استشارات حقيقي يديره مهندس مختص.
قسم خدمة عملاء ومبيعات بإدارة منفصلة.
أنظمة متابعة.
ملفات وورش.
أتمتة للأسئلة المتكررة.
الشيء البكتب وسط الانهيار…
مرات بيكون نواة المؤسسة كاملة.
19 مايو — اللحظة التي أغلقت الدائرة
أكتر لحظة هزتني…
إني اكتشفت إن آخر صفحات “التوكل واليقين بالله” كانت مكتوبة بتاريخ:
19 مايو 2025
واليوم اللي قررت ارجع اقرا كل الكتبته زمان…
وقريت كل شيء…
كان:
19 مايو 2026
بعد سنة كاملة باليوم.
كأن ربنا كان بيرجعني لنفسي القديمة عشان يقولي:
“شوفتي؟
أنا ما ضيعت تعبك.”
وقتها بكيت فعلًا.
لأنو فجأة…
كل شيء بقى واضح.
التعب ما كان عبث.
الفوضى ما كانت عبث.
الخوف ما كان عبث.
حتى الانهيارات الصغيرة الكنت بخجل منها… كانت جزء من البناء.
والليلة…
الليلة أنا مؤمنة أكتر من أي وقت فات إنو:
الكتابة ما شيء بسيط.
النوايا ما شيء بسيط.
الكلمات البتطلع من قلب صادق…
عندها قدرة مرعبة إنها تغيّر الواقع مع الزمن.
عشان كدا دايرة أقول لأي زول بيقرأ كلامي الليلة:
اكتب.
حتى لو حياتك ملخبطة.
حتى لو ما عارف كيف الحلم حيتحقق.
حتى لو الظروف كلها ضدك.
اكتب نواياك.
اكتب خوفك.
اكتب خططك.
اكتب أحلامك حتى لو شكلها “أكبر منك”.
لأنو مرات…
بعد سنين…
حتفتح صفحة قديمة بالصدفة،
وتكتشف إن النسخة القديمة منك كانت شايفة مستقبلك قبل ما تشوفه إنت بعينك.
ويمكن وقتها…
حتبكي زيي الليلة تمامًا.
لكن المرة دي…
بدموع امتنان.
دعوتي لكم: لا تستهينوا بما تخطه أيديكم
أشارككم هذه القطع من روحي وتاريخي لأقول لكم:
لا تستهينوا بأحلامكم مهما بدت الظروف المحيطة بكم مظلمة أو معقدة.
الحرب والظروف قد تأخذ منكم كل شيء مادي،
لكنها لا تستطيع سلب اليقين الذي في صدوركم.
امسكوا أقلامكم،
اكتبوا نواياكم بدقة،
رتبوا فوضى أيامكم في سطور صغيرة،
فالله لا يضيع سعياً صادقاً.
طالما وضع الله الفكرة في عقلك،
فهو سبحانه سيفتح لك الأبواب لتصل إليها،
شرط أن تسعى وأنت مؤمن ومسلم أمرك بالكامل لرب العالمين.
زمان كتبت وتحقق مكتوبي..
والليلة، أنا في مكان أفضل بفضل الله،
وأمسك قلمي من جديد لأكتب للمستقبل؛
لا مستحيل تحت عرش الرحمن،
وبكرة الزمن دايماً بيبتسم
شاركوني في التعليقات:
ما هي النية أو الحلم الذي ستكتبونه اليوم…
ليعود إليكم واقعاً محققاً بعد سنوات؟
اكتبوا أحلامكم الآن،
واجعلوا من هذه التعليقات كبسولة زمنية نعود إليها جميعاً لنحتفي بالوصول.
د.رناد أبوكشوة











إرسال تعليق