بقلم /بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم
“محافظ بنك السودان السابق”
نشر الصديق المصرفي والكاتب الاقتصادى المتميز الاستاذ عمر سيد احمد تعقيبا على مقالي بعنوان: “لماذا لا أكون نيوليبرالياً اقتصادياً”والمنشور علي منصة 5Ws News، بتاريخ : 4 يونيو، 2026. اشكر الاخ الأستاذ الصديق عمر سيد أحمد على هذا التعقيب الثري الذي أضاف أبعاداً مهمة للنقاش، وعلى اهتمامه دائما بالتعليق على ما اطرح وعلى مشقة الرد عليه في حينه. أتفق معه خاصة فيما يتعلق بأن الأزمة السودانية تتجاوز مجرد الاختلاف حول السياسات الاقتصادية بين الكينزية والنيوليبرالية، لتصل إلى جوهر أكثر عمقاً يتمثل في أزمة الدولة ومؤسساتها. فمن الصعب الحديث عن نجاح أي نموذج اقتصادي في ظل ضعف مؤسسات الدولة وتآكل الخدمة المدنية وتراجع الأجهزة الرقابية والتنظيمية و التخطيطة والتنفيذيه بغض النظر عن مرجعيتها الفكرية.
لم يختلف الاخ عمر عن طرحي من ناحيه عامه، ولكنه يرى أن الحالة السودانية تستدعي الذهاب أبعد من الجدل التقليدي بين النيوليبرالية والكينزية لان جزور الأزمة السودانية ليست سياسة اقتصادية بل هي أزمة دولة في المقام الأول. ويذهب إلى أن الدولة السودانية، بصورتها المطلوبة للقيام بوظائفها الأساسية، تكاد تكون غائبة نتيجة التآكل المستمر لمؤسساتها المدنية والرقابية والتنفيذية. ومن ثم فإن الأولوية ينبغي أن تكون لإصلاح مؤسسي شامل يعيد بناء الخدمة المدنية على أسس الكفاءة والمهنية والاستقلالية. وأرى أن هذا الرأي صائب إلى حد كبير، إذ إن الحكومات المتعاقبة خلال العقود الماضية كانت في كثير من الأحيان أضعف من أن تضطلع بالدور التنموي والتنظيمي المنوط بها، الأمر الذي انعكس سلباً على الأداء الاقتصادي والإداري معاً.
كما يرى ان تطبيق سياسات وصفات الصندوق والبنك بصورة جزئية ومشوهة مثل تحرير الأسعار وسعر الصرف دون شبكات حماية اجتماعية مثلا فكانت المحصلة لا سوق تنافسية حقيقية، ولا دولة كفؤة قادرة على إدارة الاقتصاد. ويرى الحل في بناء المؤسسات وإعادة الاقتصاد إلى سلطة وزارة المالية، ويشجع انطلاق نموذج تنموي يقوم على شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص.
ما طرحه الأخ عمر لا يتعارض مع جوهر ما ذهبت إليه في المقال، بل يكمله ويضيف إليه بعدا مؤسسيا مهما في حالة السودان ربما اكون قد اغقلته بسبب تركيز هدفي في المقام الأول على فرضيات عامه لكل الدول و ارساء القاعدة الأساسية لاهمية، او لما ينبغي ان يكون عليه، دور الحكومة. بمعني اخر إرساء القاعدة الفكرية للنقاش وتوضيح موقفي الفكرى والبحثي بشكل عام دون التطرق للحاله السودانيه. واتفق معه ان الوضع الحالي في السودان يحتاج الى استكمال بقية المتطلبات التي ذكرها في رده.
أما فيما يتعلق بسياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فإن موقفي منها قد تكوّن منذ فترة دراساتي العليا في إنجلترا في رسالتي الماجستير والدكتوراه، حيث تناولت تجارب تطبيق هذه السياسات في أفريقيا. وقد خلصت إلى أن العديد من الافتراضات التي تقوم عليها تلك النماذج لا تتوافر في واقع الدول النامية؛ فالمنافسة الكاملة غائبة في كثير من الأسواق، والاستجابة للحوافز السعرية محدودة بسبب الاختلالات الهيكلية وضعف المؤسسات والبنى الإنتاجية. يضاف إلى ذلك أن سياسات تقليص الطلب الكلي بهدف مواءمته مع العرض الكلي الضعيف كثيراً ما تترتب عليها آثار اجتماعية واقتصادية سلبية، من بينها تراجع مستويات المعيشة، وارتفاع معدلات الفقر، وإضعاف فرص النمو الاقتصادي، فضلاً عن الحد من قدرة الاقتصاد على توسيع قاعدته الإنتاجية. ولذلك فإن نجاح أي إصلاح اقتصادي لا يتوقف على تطبيق الوصفات الجاهزة، بل يرتبط بمدى مواءمتها للواقع المحلي، وبوجود دولة قادرة ومؤسسات فعالة تستطيع إدارة عملية التحول الاقتصادي وتحقيق التوازن و الكفاءة على السواء.
أخيرا، ارى أن ما طرحه الأخ الصديق لا يتعارض مع جوهر ما ذهبت إليه في المقال بصوره عموميه لكل الدول، بل يكمله ويضيف إليه بعداً مؤسسيا مهما كما هو في الحاله السودانيه، وهو أن النقاش حول السياسات الاقتصادية لا ينبغي أن ينفصل عن قضية بناء الدولة وإصلاح مؤسساتها، كما هو الحال في حالة السودان، لأن الدولة القوية والكفؤة هي الأرضية التي يمكن أن تنجح عليها أي سياسة اقتصاديه ناجحة.











إرسال تعليق