بقلم/ الطيب مضوي شيقوق
في زمن تتسارع فيه خطوات التحول الرقمي، لم يعد النقد الورقي وحده هو الوسيط الأبرز في تبادل القيم، ولم تعد البنوك تُقصد كما كانت في السابق طلبًا للخدمة أو إتمامًا للمعاملات. فقد انتقلت كثير من الوظائف المصرفية إلى فضاء الهاتف المحمول، الذي تحول إلى نافذة مالية مفتوحة على مدار الساعة، يتقدمها تطبيق “بنكك” بوصفه أحد أبرز أدوات هذا التحول في السودان.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: ماذا قدم هذا التطبيق؟ بل أيضًا: ماذا يعني أن تتحول السيولة اليومية لشريحة واسعة من الناس إلى منصة رقمية واحدة، وربما إلى بنك واحد بحكم الواقع؟
في الجانب المضيء من المشهد، لا يمكن إنكار أن التجربة الرقمية عبر “بنكك” قد غيرت كثيرًا من أنماط الحياة المالية. فقد أصبح بإمكان المستخدم أن يرسل المال ويستقبله، يدفع الفواتير، يشتري من المتاجر، ويتابع رصيده دون أن يغادر مكانه. هذه السهولة لم تكن مجرد رفاهية، بل أصبحت ضرورة في بيئة تتسم بسرعة الحركة وتزايد مخاطر التعامل النقدي المباشر. كما أسهم التطبيق في تقليل الحاجة لحمل النقود وما يرتبط بها من مخاطر الفقد أو السرقة، وفتح الباب أمام شريحة واسعة من المواطنين للدخول إلى النظام المصرفي، وهو ما يُعرف بالشمول المالي.
لكن خلف هذا المشهد المشرق، تتوارى أسئلة لا تقل أهمية.
أول هذه المخاطر أن النظام يصبح أكثر عرضة لما يُعرف بـ “مخاطر التركّز (Concentration risk)”، فإذا تعرض التطبيق لعطل تقني أو خلل في الشبكة أو هجوم إلكتروني، فإن أثر ذلك لا يتوقف عند عميل أو مجموعة عملاء، بل يمتد ليشمل شريحة واسعة من المجتمع في لحظة واحدة. وكأن شريانًا واحدًا يغذي جسدًا اقتصاديًا بأكمله.
ثم تأتي مسألة المنافسة، وهي ليست مسألة نظرية. فحين تتعدد البنوك وتتنافس، تتحسن الخدمة وتُخفض الرسوم وتُبتكر الحلول. أما حين يهيمن مسار واحد عمليًا على حركة الأموال، فإن حوافز التطوير قد تتباطأ، أو تصبح رهينة لجهة واحدة تتحكم في الإيقاع.
وفي خلفية المشهد، تقف مخاطر الأمن السيبراني. فكلما زاد الاعتماد على منصة رقمية واحدة، أصبحت هذه المنصة هدفًا أكثر جاذبية للهجمات الإلكترونية ومحاولات الاحتيال. وهنا لا يكفي وعي المستخدم وحده، بل لا بد من منظومة حماية قوية ومستمرة التطوير.
ولا يقل عن ذلك أهمية البعد الاجتماعي والاقتصادي. فليس كل المواطنين على درجة واحدة من القدرة على استخدام التطبيقات الرقمية، ولا كلهم يمتلكون نفس مستوى الاتصال أو الثقة في هذه الوسائل. وبالتالي فإن التوسع غير المتوازن قد يخلق فجوة بين من اندمجوا بالكامل في الاقتصاد الرقمي، ومن بقوا على هامشه.
ومن زاوية أعمق، يطرح هذا الواقع سؤال الحوكمة المالية: هل من الأفضل أن تُدار المدفوعات عبر شبكة وطنية متعددة البنوك، تتكامل فيها الأنظمة تحت إشراف البنك المركزي، أم أن يستقر الواقع على قناة واحدة بحكم السبق أو الانتشار؟
التجارب المقارنة تميل عادة إلى النموذج الأول؛ حيث لا يحتكر بنك واحد حركة الأموال، بل تُبنى بنية تحتية مالية مشتركة تسمح بالتحويل بين جميع البنوك بسلاسة، مع وجود منافسة داخل إطار من التنظيم والرقابة.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي القول إن انتشار “بنكك” لم يكن بالضرورة نتيجة احتكار مقصود، بل جاء أيضًا نتيجة واقع تطوري، حيث تقدمت بعض المؤسسات على غيرها في تقديم الحلول الرقمية، فسبقت السوق واستحوذت على ثقة المستخدمين.
وهكذا يبقى المشهد مفتوحًا بين ما هو قائم وما ينبغي أن يكون. فالتجربة الرقمية في إدارة الحسابات النقدية خطوة لا رجعة فيها نحو المستقبل، لكنها تحتاج دائمًا إلى توازن دقيق بين الكفاءة والمنافسة، بين السهولة والأمان، وبين الانتشار وعدم الاحتكار.
وفي النهاية، فإن السؤال ليس ضد “بنكك” ولا مع غيره، بل هو سؤال أوسع: كيف نبني نظامًا ماليًا رقميًا قويًا، متعدد الأبواب، آمنًا، ويخدم الجميع دون أن يضع مفاتيح الاقتصاد كله في يد باب واحد؟











إرسال تعليق