تعقيبا على مقال البروفيسور بدر الدين عبد الرحيم: “لماذا لا أكون نيوليبرالياً اقتصادياً”والمنشور علي منصة 5Ws News

  • بتاريخ : 4 يونيو، 2026 - 4:03 م
  • الزيارات : 20
  • بقلم / عمر سيد أحمد

    يطرح البروفيسور بدر الدين موقفاً اقتصادياً يرفض الثنائية المبسطة بين الدولة والسوق، وينطلق من واقع الدول النامية التي تعاني من ضعف المؤسسات وغياب المنافسة وهيمنة الاحتكارات، وهي رؤية تستحق التقدير لأنها تنبع من الواقع لا من النظرية المجردة.

    غير أن الحالة السودانية تستدعي الذهاب أبعد من هذا الجدل التقليدي بين النيوليبرالية والكينزية. فالأزمة السودانية في جوهرها ليست أزمة سياسة اقتصادية يحسمها الاختيار بين مدرستين فكريتين، بل هي أزمة دولة في المقام الأول.

    فالدولة التي يُفترض أن تضطلع بدور التنظيم والتخطيط وتوفير الخدمات العامة لا تكاد تكون موجودة بالصورة المطلوبة. فقد جرى على مدى عقود تآكل المؤسسات المدنية والرقابية، وتحوّل جزء واسع من الاقتصاد إلى اقتصاد موازٍ تهيمن عليه الأجهزة الأمنية والشركات التابعة لها وشبكات المصالح المرتبطة بها. أمام هذه الحقيقة يصبح السؤال الجوهري: أيّ دولة نريد أن تتدخل؟ وهل نملك أصلاً دولة مؤسسية قادرة على أداء الدور الكينزي المنشود؟

    والتجارب الناجحة في شرق آسيا، التي يستشهد بها أنصار الدولة التنموية، لم تقم على دولة متضخمة أو سوق منفلت، بل على دولة قوية ذات مؤسسات فعّالة وقطاع خاص منتج ومنافسة منضبطة. ومن هنا فإن أي دور اقتصادي للدولة في السودان لا بد أن يسبقه إصلاح مؤسسي عميق يُعيد بناء الخدمة المدنية، ويُعزز استقلال القضاء، ويُكافح الفساد، ويُخضع جميع الأنشطة الاقتصادية للقانون والشفافية دون استثناء.

    وتجربة السودان ذاتها تكشف أن المشكلة لا تكمن دائماً في وصفات صندوق النقد والبنك الدولي، بل في طريقة تطبيق السياسات. فكثير من الإصلاحات نُفِّذت بصورة جزئية ومشوهة؛ جرى تحرير الأسعار وسعر الصرف دون توفير شبكات حماية اجتماعية، وفي المقابل لم يتحقق الانضباط المالي المطلوب، ولم تتراجع هيمنة الدولة وأجهزتها على النشاط الاقتصادي. فكانت المحصلة أسوأ ما في النموذجين: لا سوق تنافسية حقيقية، ولا دولة كفؤة قادرة على إدارة الاقتصاد.

    وفي المرحلة الراهنة، من الصعب تصور نجاح نموذج يقوم على الانسحاب السريع للدولة، كما أنه من الخطأ الاعتقاد بأن توسيع دور الدولة وحده كافٍ لإحداث التنمية. الأولوية الحقيقية تكمن في: إيقاف الحرب، واستعادة الدولة المدنية، وإعادة بناء المؤسسات، ومحاربة الفساد، واسترداد الموارد المنهوبة، وإعادة الاقتصاد إلى سلطة وزارة المالية، ثم انطلاق نموذج تنموي يقوم على شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع.

    خلاصة القول، ليس السؤال الأجدى “كم يجب أن تتدخل الدولة؟” بل “كيف نبني دولة قادرة وعادلة وشفافة؟”. فحين تتوفر الدولة المؤسسية يغدو النقاش بين الكينزية والليبرالية نقاشاً مشروعا حول الأدوات والأولويات، أما في غياب هذه الدولة فإن أي وصفة اقتصادية، مهما بدت مقنعة نظرياً، ستبقى عاجزة عن تحقيق التنمية والاستقرار والعدالة الاجتماعية.