مطلوب دستور جديد الأساس فيه الحصانة للمواطن وليست للوزير

  • بتاريخ : 2 يونيو، 2026 - 6:00 ص
  • الزيارات : 24
  • الصفر البارد|| د. جلال الدين محمد أحمد

    “كاتب – عالم كيميائي”

    هل تعلمون لماذا يتسابق الناس على المناصب الدستورية في بلادنا ! ! ولماذا حتى من لا يحمل كفاءة يريد ان يكون دستوري !! السبب بسيط لانه المنصب الدستوري يمنح البعض المال بدون رقيب ولا حسيب والأهم يمنح الحصانات الدستورية فلا يحاكم ولا يقدم للاستجواب في مراكز الشرطة والبعض منذ الاستقلال وحتى اليوم يتحدث مع الشعب وكأنه هو سيدهم وليس خادما لهم .

    منذ تأسيس أول دستور سوداني قبل الاستقلال وحتى اليوم، والمواطن السوداني يبحث في النصوص الدستورية عن حماية لحقوقه، لكنه لم يجد سوى دساتير تمنح الحصانات الواسعة لمن هم في المناصب الدستورية والعسكرية، وتترك المواطن مكشوفاً بلا حصانة تذكر.

    أول دستور سوداني صدر عام 1953 (دستور الحكم الذاتي)، تلاه دستور 1956 بعد الاستقلال، ثم دساتير 1973 و1998 و2005، وآخرها الوثيقة الدستورية لعام 2019. كل هذه الدساتير تشترك في سمة واحدة: الاهتمام بحصانة صاحب المنصب على حساب حقوق المواطن. ومنذ القاضي أبو رنات وقبل الاستقلال وضعت أساسات قانونية استمرت حتى اليوم، حيث يُمنح المسؤول الدستوري والعسكري حصانات قانونية تجعله بمنأى عن المساءلة، ولا يمكن ان يحاكم او حتى يتم الاستدعاء الا بموجب رفع الحصانة والتي دوما تصبح مستحيلة في كثير من الأحوال ،، بينما يظل المواطن بلا أي حماية حقيقية وفي ثواني يتم تلفيق أي تهمة وينقبض كما ينقبض خروف الضحية .

    ما معنى هذه الحصانة؟ تعني أنه لا يمكن مقاضاة المسؤول أثناء توليه منصبه إلا برفع حصانته عبر إجراءات معقدة وطويلة غالباً ما تنتهي بالفشل. أما المواطن فلا حصانة له على الإطلاق. يمكن القبض عليه في أي وقت دون أمر قضائي، ودون أن يعرف من فتح ضده بلاغاً ولا لأي سبب. يظل معتقلاً حتى يقف أمام القاضي، وعندها فقط يبدأ في فهم القليل مما يتهم به. وقد يجد نفسه في سجن كوبر لمجرد أنه كتب مقالاً أو عبر عن رأيه.

    المشكلة الأعمق أن المواطن لا يستطيع أصلاً رفع قضية على شخص في منصب دستوري. القانون يضع عوائق تحول دون مقاضاة المسؤولين، حتى لو انتهكت حقوق المواطن بوضوح. وهنا يكمن التناقض الخطير: من يظلمه من في السلطة لا يجد جهة يشكو إليها، ومن يعتدي على حقوق الناس يظل محمياً بحصاناته.

    في العالم الأوروبي والدول التي تحترم المواطن، نجد الوضع مختلفاً تماماً. الحصانة الأكبر هناك تعطى للمواطن، وليس لصاحب المنصب الدستوري . فالمواطن هو أساس الدولة وغايتها، لذا جعلوا له حقاً مطلقاً في مقاضاة أي مسؤول دون عوائق، وجعلوا حريته الشخصية مصونة لا تنتهك إلا بأمر قضائي واضح. أما حصانة المسؤول فمحدودة وتقتصر على ما يلزم لأداء مهامه، ولا تمنعه من المحاسبة إذا أخطأ بل بالعكس هل تصدق ان الدستوري هو اكثر شخص يتعرض للمحاكمات وللاستجواب القانوني ولذلك ليس لديهم سباق على المناصب الدستورية كما لدينا .

    أما في السودان والعالم الثالث، فالمواطن لا قيمة له ولا حصانة. الدساتير تكتب لخدمة السلطة وليس لحماية الشعب فالمسؤولين هم اقرب الناس القادرين على ارتكاب المخالفات القانونية ! ! لانهم في حماية ولهم حصانة ولكن المواطن الضعيف ليس له ما يحميه قانونيا ان كان على حق يتم البقبض عليه الي ان يجد محامي متمكن في القانون لاجل ان يجد له حريته المفقودة

    ما المطلوب إذن؟ مطلوب دستور جديد يقلب هذه المعادلة. دستور تنص نصوصه بوضوح على أن حصانة المواطن من التعسف أعلى وأكبر من حصانة أي منصب دستوري. نصوص تجعل الحق في مقاضاة المسؤولين حقاً مكفولاً للجميع، وتمنع القبض على المواطن أو حبسه إلا بأمر قاضٍ ولأسباب واضحة يطلع عليها فوراً. ونصوص تجعل الحصانات للمناصب الدستورية مجرد حماية لعملهم وليست درعاً يحول دون محاسبتهم.

    اخر المداد :-
    المواطن هو صاحب السيادة الحقيقية، وهو الذي يمنح السلطة لمن يمثلونه. لذلك يجب أن تكون حصانته هي الأولى والأعلى. لا يمكن لدستور يحترم نفسه أن يعطي الحصانة الكاملة للحاكم ويترك المحكوم بلا حماية. هذا ليس دستوراً، هذا أداة قمع بينما لا قيمة للحاكم ولا للدولة بدون المواطنين ،، فالحاكم هو خادم للمواطنين وليس العكس ! !

    آن الأوان لكتابة دستور سوداني يضع المواطن في قلب النص ويرفع من شأنه ، ويجعل حصانته خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه. عندها فقط يمكن أن نقول إن لدينا دولة قانون حقيقية الا هل بلغت اللهم فاشهد
    “فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ”