لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد
“رئيس تحرير صحيفة القوات المسلحة الأسبق”
مشهد عصابة من جنجويد السلامات وهم يركبون المواتر، يتقدمهم موتر يجر أحد جنجويد البني هلبة، وقد وُثقت رجلاه بحبل متين، ثم جرى سحله في شكل «سيرة» ليلية على ضوء فوانيس المواتر وهي تنهَب الأرض الجرز وتثير الغبار، وسط عاصفة من النشوة والتندر بهذا الجنجويدي الشقي الذي وقع في الحبل. كانت بقية من آهاته تتبدد وسط الضجيج والهياج الوحشي، الذي لا يمكن لأحد أن يعرف أسبابه غير الظاهرة، اتصالاً بما فعله هؤلاء الجنجويد أنفسهم بالعُزّل والبسطاء من الناس إبان سنوات الحزن والسواد التي عاثوا فيها فساداً في كل ربع وطئته أقدامهم، حيث فتحوا على الناس أبواباً من القسوة والبطش والتجرد من الرحمة، لم تكن تخطر على بال أحد.
أما الاجتياح المتزامن لقرى البني هلبة، وعاصمتهم الإدارية بمحلية كبم بولاية جنوب دارفور، ومشهد التكبيرات المصاحبة لهذا الفتح والاستحواذ على الأرض، واستباحة الإنسان وانتهاك حرماته، فهو حلقة جديدة في سلسلة أحداث سابقة من هذا النوع من الصراعات المزمنة، المتمكنة في أعماق الشعور لدى كل طرف. تتجدد هذه الأحقاد كمواسم الغضب والجنون، فيُقبل المتساكنون على قتل بعضهم بعضاً حتى تشفى النفوس من غليلها، وتبتل الأرض بالدماء، ويتعالى عويل النوائح على مسرح الانتحار الجماعي.
وفي كواليس التحريض والوشاية، لا يفتأ البعض يذكّر بشجون الدهر وأحزان الزمان، ويستدعي أيام بعاث والفِجَار والبسوس، في أبشع استحضار لأزمات التاريخ وأدواء الإنسان، وكأن الأمم لا تتعلم من مآسيها، ولا تعتبر من تجاربها.
والأعجب في تصاريف الأقدار أن السلاح الموسوم بالغدر والخيانة، والملوث بدماء الأبرياء من أهل السودان في الهلالية ورفاعة وود النورة والدندر وغيرها، هو نفسه السلاح الذي ارتد إلى نحور أولئك المتوحشين، الذين يهيمون في الأودية القفر، يلهثون كالكلاب البرية في دوامة من التيه والعذاب، ابتلاهم الله تعالى بها. فلا هم ذاقوا دعةً، ولا أووا إلى مقيل، يأكلهم الضنك، وتثقلهم المخازي، وتلاحقهم أخيلة الضحايا حيثما حلوا وارتحلوا.
وإن تعجب فاعجب لهم وهم يعلنون بالتكبير استلام محلية كبم، أحد المراكز الإدارية لقبيلة البني هلبة، في سفاهةٍ تثير الشماتة لدى كل من رأى ذلك المشهد. فقد غاب عنهم أن الأرض لا يملكها السلاح، وأن السيطرة المؤقتة لا تصنع نصراً دائماً، ولا تمنح شرعية مفقودة.
نعم، إنهم الجنجويد، وزعيمهم البعاتي حميدتي، حامل لواء الغدر والكذب في تاريخ السودان الحديث، وأخوه الشقي عبد الرحيم. وما زالا يعدان أتباعهما غروراً بميراث الأرض من بعد أهلها، وبالحكم على أشلاء فرسان القوات المسلحة والقوات المشتركة وقوات الإسناد. وما يزالان يحلمان بالعودة إلى جنات ونعيم وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين.
ولكن ولات حين مندم؛ فقد خوت تلك الأحلام بما كسبوا، وقُضي الأمر، وقال الشعب كلمته، ووثقتها القيادة بإعلانها الواضح ألا تفاهم مع هؤلاء المجرمين إلا من خلال «أم قدوم عفن».
إن المليشيا الآن في مرحلة أكل الذنب، كما تفعل سمكة «أم كورو» التي تموت وهي تنهش نفسها، في صورة تجسد حال هذه المليشيا على نحو يكاد يكون مطابقاً. فهي غير مؤهلة للبقاء بين ظهراني المجتمع السوداني، بكل إرثه وتاريخه الزاخر بالتراحم والتسامح والتكافل.
وخلاصة ما يجري بين البني هلبة والسلامات، تحت سقف الانتماء للجنجويد، أنه يفضح خطل الاختيار وسوء التقدير، ويكشف المصير الذي انتهى إليه مشروع المليشيا. وهو درس تحقق منه كثير من العائدين إلى حضن الوطن، بعدما أدركوا أن الطريق الذي سلكوه لم يكن إلا طريقاً إلى الفتنة والخراب.
أخزى الله الجنجويد حيث كانوا، وحفظ السودان وأهله من شرور الفتن ما ظهر منها وما بطن.











إرسال تعليق