حين تُحاكم الصحافة بقانون المعلوماتية

  • بتاريخ : 22 مايو، 2026 - 10:41 ص
  • الزيارات : 37
  • تقرير :احمد اسماعيل حسن
    (سونا)
    يمثل الحكم الصادر بحق الصحفية رُشان أوشي بموجب قانون المعلوماتية محطة مقلقة في مسار حرية الصحافة والعمل الإعلامي، ليس فقط لأنه يستهدف صحفية بسبب ما نشر أو تم تداوله في إطار العمل المهني، وإنما لأنه يفتح الباب واسعًا أمام استخدام القوانين ذات الطابع الجنائي والتقني لتكميم الأفواه وإخضاع الصحفيين لحالة من الخوف والرقابة الذاتية.
    فالصحافة، في جوهرها، ليست جريمة، وكشف الحقائق لا ينبغي أن يُقابل بالعقوبات أو الملاحقات، خاصة في القضايا التي ترتبط بالشأن العام أو تتعلق بأداء المسؤولين والمؤسسات. وعندما يُستخدم قانون المعلوماتية كأداة لمحاكمة الصحفيين، فإن الرسالة التي تصل إلى الوسط الإعلامي تصبح واضحة: “الاقتراب من الملفات الحساسة قد يكلفكم حريتكم”.
    إن أخطر ما في هذه القضية لا يتمثل فقط في الحكم نفسه، بل في الأثر النفسي والمهني الذي يتركه على بقية الصحفيين. فالكثير من العاملين في الحقل الإعلامي قد يترددون لاحقًا في تناول قضايا الفساد أو التجاوزات الإدارية أو سوء استخدام السلطة، خشية التعرض للملاحقة القانونية أو السجن أو التشهير. وهنا تتحول الصحافة من سلطة رقابية تسهم في حماية المجتمع إلى مهنة محاصرة بالخوف والقيود.
    محاكمة الصحفين بموجب قانون جرائم المعلوماتية يمثل اشكالية قانونية وحقوقية معقدة ، حيث يستخدم هذا القانون كاداة لتجاوز قانون الصحافة والمطبوعات (الذي ينص على المحاسبة عبر،مجالس متخصصة )يتم استخدام المواد الفضفاضة في قانون المعلوماتية لتقييدحرية التعبير وتوجيه اتهامات قضائية للصحفيين
    لقد ظلت الصحافة عبر التاريخ واحدة من أهم أدوات كشف الفساد والانحرافات داخل مؤسسات الدولة، وأسهمت في حماية المال العام ورفع مستوى الوعي المجتمعي. ومن الطبيعي أن يزعج هذا الدور بعض أصحاب النفوذ، لكن من غير المقبول أن تتم مواجهة القلم بالقوانين المقيدة للحريات، أو أن تتحول مواد قانونية فضفاضة إلى سيف مسلط على رقاب الصحفيين.
    كما أن توسيع استخدام قوانين المعلوماتية في قضايا النشر يثير تساؤلات حقيقية حول مستقبل حرية التعبير في السودان، خاصة في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد. فالمجتمعات التي تُضيّق على الصحافة غالبًا ما تفتح المجال أمام انتشار الشائعات وغياب الشفافية، لأن الصحفي المهني عندما يُمنع من أداء دوره، تفسح الساحة للأصوات غير المسؤولة والمنصات غير الموثوقة.
    إن حماية الصحفيين لا تعني منحهم حصانة مطلقة، فالمهنة تحكمها أخلاقيات وضوابط وقوانين، لكن أي معالجة للأخطاء المهنية يجب أن تتم عبر قوانين الصحافة والنشر والآليات العدلية العادلة، لا عبر توظيف قوانين تقنية قد تُستخدم لتقييد الحريات وتكميم الأصوات الناقدة.
    وفي ظل هذه التطورات، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة القوانين التي تمس حرية التعبير، وضمان عدم استخدامها ضد الصحفيين والكتاب وأصحاب الرأي. فحرية الصحافة ليست امتيازًا لفئة محددة، بل هي حق أصيل للمجتمع بأكمله، لأنها الوسيلة التي يعرف من خلالها المواطن ما يدور داخل مؤسسات الدولة، وكيف تُدار موارده وقضاياه.
    إن قضية ريان أوشي يجب أن تُقرأ باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لمستقبل الحريات الصحفية، ومدى قدرة الدولة على التمييز بين النقد المشروع والاستهداف المتعمد. فالأوطان لا تُبنى بإسكات الصحفيين، وإنما ببناء بيئة تسمح بالكلمة الحرة والمسؤولة، وتؤمن بأن كشف الفساد ليس جريمة، بل واجب وطني وأخلاقي.