الوعي بالمصلحة الوطنية المدخل الحقيقي لبناء الدولة(11)

  • بتاريخ : 21 مايو، 2026 - 2:23 م
  • الزيارات : 7
  • بقلم/ د. حيدرمعتصم مدني
    “مدير مركز الخرطوم للحوار “

    من أخطر أزمات السودان الحديثة أن كثيرًا من الصراعات السياسية دارت دون اتفاق واضح على معنى:“المصلحة الوطنية”
    فكل تيار كان يتحدث باسم الوطن، لكن وفق تعريفه الخاص للوطن، ومصالحه الخاصة، وأولوياته الخاصة.
    ولهذا ظل السودان يعيش حالة: وفرة في الشعارات… وفقر في التوافق الوطني الحقيقي.
    *ما هي المصلحة الوطنية* *أصلًا؟*
    المصلحة الوطنية ليست:

    مصلحة حزب،

    ولا جماعة،

    ولا أيديولوجيا،

    ولا سلطة مؤقتة.
    بل هي: مجموعة المصالح العليا التي تحفظ:

    بقاء الدولة،

    واستقرار المجتمع،

    ووحدة البلاد،

    وقدرتها على حماية نفسها،

    وضمان مستقبل أجيالها.

    أي أنها المرجعية التي يجب أن تعلو على:

    الصراعات الحزبية،

    والمكاسب اللحظية،

    والانفعالات السياسية.

    *المشكلة السودانية:إختلاط* *المصلحة الوطنية* *بالمصلحة السياسية*
    وهذه واحدة من أكبر أزمات الوعي السياسي في السودان.
    إذ كثيرًا ما جرى تقديم:
    مصلحة الحزب، أو:
    مصلحة التحالف، أو:
    مصلحة الأيديولوجيا، وكأنها هي نفسها المصلحة الوطنية.
    وحين يحدث هذا الخلط، تدخل الدولة في حالة خطيرة: تصبح فيها السياسة عاجزة عن التمييز بين:
    ما يفيد الوطن، وما:
    يفيد الصراع فقط.

    *كيف تضيع الدول؟*
    لا تضيع فقط بالحروب، بل حين تفقد نخبها القدرة على: ترتيب الأولويات الوطنية.
    حين تصبح:
    المعارك الصغيرة أهم من بقاء الدولة،
    والانتصارات الإعلامية أهم من الاستقرار،
    والخصومات السياسية أهم من وحدة المجتمع.
    وهنا يبدأ الانهيار الهادئ.
    *المصلحة الوطنية تحتاج* *إلى وعي جمعي*
    الدول المستقرة لا يحميها القانون وحده، بل يحميها أيضًا: “الإدراك الجمعي للمصلحة المشتركة”.
    أي وجود حد أدنى من التوافق الوطني حول:
    ما الذي لا يجوز تدميره؟
    وما الذي يجب حمايته مهما اختلفنا؟
    وما هي الخطوط التي لا ينبغي أن يتحول الخلاف السياسي إلى تهديد لها؟
    وهذا ما تفتقده الدول المأزومة غالبًا.
    *السودان وأزمة غياب* *الأولويات*
    لفترة طويلة ظل المجال العام السوداني يتحرك بعقلية:

    ردود الأفعال،

    والاستقطاب،

    والانفعال السياسي،

    والمعارك اللحظية.

    بينما تراجعت القضايا التأسيسية الكبرى مثل:

    التعليم،

    وبناء الإنسان،

    والإنتاج،

    والهوية الوطنية،

    والتماسك المجتمعي،

    واستقلال القرار الوطني.
    ولهذا ظلت الدولة تتحرك من أزمة إلى أزمة، دون مشروع وطني طويل المدى.

    *الفرق بين الدولة الحية* *والدولة المنهكة*
    الدولة الحية:
    تعرف ماذا تريد،
    وتعرف ما الذي يجب حمايته،
    وتستطيع ترتيب أولوياتها حتى وسط الصراع.
    أما الدولة المنهكة، فتعيش داخل:
    الاستقطاب،
    والارتجال،
    وردود الأفعال،
    والانقسام المستمر.
    وهنا تصبح أكثر قابلية:
    للاختراق الخارجي،
    والانهيار الداخلي،
    والتوظيف السياسي.
    *الوعي بالمصلحة الوطنية لا* *يعني إلغاء الاختلاف*
    وهذه نقطة شديدة الأهمية.
    فليس المطلوب أن يتحول المجتمع إلى نسخة واحدة، ولا أن تختفي الأحزاب أو التعددية.
    بل المطلوب: وجود وعي مشترك بأن:
    الوطن أكبر من الجميع،
    وأن بقاء الدولة مصلحة مشتركة،
    وأن بعض القضايا يجب أن تبقى فوق الصراع السياسي اليومي.
    *كيف يُبنى هذا الوعي؟*
    لا يُبنى بالشعارات وحدها، ولا بالخطب، ولا بالحشد العاطفي.
    بل عبر:

    التعليم،

    والإعلام،

    والثقافة،

    والنقاش العام،

    والمؤسسات،

    والنخب الفكرية،

    وتجارب التراكم الوطني.
    أي عبر بناء عقل جمعي يرى الدولة:
    مشروعًا مشتركًا، لا:
    غنيمة صراع.
    *أخطر ما يواجهه السودان* *اليوم:غياب المرجعية* *الوطنية المشتركة*
    فكل أزمة جديدة تُظهر أن المجتمع ما يزال مختلفًا حتى على:

    تعريف الأولويات،

    وطبيعة التهديدات،

    وحدود الصراع،

    ومعنى الوطنية نفسها.
    ولهذا تصبح أي تسوية هشة، لأن الأرضية المشتركة ما تزال ضعيفة.
    *السودان يحتاج إلى إعادة* *تعريف “النجاح الوطني”*
    ليس النجاح الوطني أن:
    ينتصر طرف،
    أو يُهزم خصم،
    أو يسيطر تيار.
    بل النجاح الحقيقي هو: أن تبقى الدولة، ويستقر المجتمع، وتُحمى المصالح العليا، ويشعر الناس أن الوطن يتسع للجميع.
    معركة السودان القادمة:
    بناء العقل الوطني لا فقط النظام السياسي
    لأن الأنظمة يمكن أن تتغير سريعًا، لكن الأوطان لا تستقر إلا حين يتشكل داخلها: وعي عميق بالمصلحة المشتركة.
    وعي يجعل الناس تدرك أن:
    الاختلاف طبيعي،
    والصراع له حدود،
    والسياسة وظيفة،
    أما الوطن… فهو المساحة التي لا يملك أحد حق إحراقها من أجل انتصار مؤقت.
    وربما هنا تبدأ الخطوة الحقيقية نحو سودان جديد: حين يتحول السؤال من:
    “من يكسب السلطة؟” إلى: “كيف نحمي المصلحة الوطنية مهما اختلفنا؟”