السودان… أرض الذهب الضائع والفرص المؤجلة

  • بتاريخ : 21 مايو، 2026 - 10:18 ص
  • الزيارات : 16
  • بقلم: أمين الجاك عامر / المحامي

    “محام – كاتب – مستشار قانوني”

    من الكلمات والأغنيات الخالدة في مكتبة الإذاعة السودانية، تلك الكلمات البديعة للشاعر المبدع التجاني حاج موسى، التي تغنى بها الفنان المرهف زيدان إبراهيم، والتي كنت أستمع إليها في هذا الصباح الباكر وأنا أطالع مقال الأستاذ والصحفي الكبير صبري محمد علي، المنشور بتاريخ اليوم 21 مايو على موقع 5Ws-news تحت عنوان: “الدهب الهامل”، حيث تقول الأغنية:

    إذا الخاطر سرح عنك
    تأكد إنو راح ليك
    وهام في ربى الأحلام
    قريب منك
    سقت غيماتو واديك

    ولحظتها قررت أن أتصل بالأستاذ، وهو يتنفس الصعداء ويتحوقل في خاتمة مقاله، غير أنني حين لم أوفق في ذلك، آثرت أن أكتب هذه السطور مستعينًا بالمقولة الشعبية المتداولة:
    “الجفلن خلهن… أقرع الواقفات.”

    ونحن يحدونا الهمّ والأمل معًا، وفي ظل ما يُعرف بحكومة الأمل، نتطلع إلى أن تستقر الأوضاع، وأن تستفيد البلاد والعباد من نعم الله التي حبا بها هذا الوطن، حتى نحكي للأجيال القادمة قصة إنسان هذه الأرض؛ الإنسان الذي عاش في بلد منحه الله الذهب الأبيض ناصع البياض، والذهب الرنان ناصع اللمعان.

    لقد آن الأوان أن تستعيد بلادنا وعيها بثرواتها، وهي التي ظلت منذ سالف الأزمان، ومنذ عهد الفراعنة، مقصدًا لحملات منظمة نحو مناطق الذهب. فقد اعتمدت مصر القديمة على ذهب السودان في صناعة الحلي والطقوس وتمويل الدولة، ويحكي التاريخ للأجيال أنه خلال عهد مملكة كوش ومملكة مروي ازدهرت تجارة الذهب، وأصبحت المنطقة مركزًا تجاريًا مهمًا يربط إفريقيا بمصر والبحر الأحمر.

    وكانت الهجرات تأتي من التجار والحرفيين والباحثين عن الثروة، ثم اتسعت طرق التجارة مع دخول الإسلام عبر الصحراء والبحر الأحمر، وتزايدت الهجرات العربية والإفريقية نحو مناطق التعدين، خاصة من مصر وشبه الجزيرة العربية وغرب إفريقيا، فارتبط الذهب بالقوافل التجارية وبنشوء المدن والأسواق.

    وفي العصر الحديث، غيّرت حمى الذهب التركيبة الاقتصادية والاجتماعية في بعض مناطق السودان، فأنشأت أسواقًا ومدنًا جديدة، لكنها اليوم في أمسّ الحاجة إلى تدخل الدولة، ممثلة في وزارة المالية ووزارة المعادن وبنك السودان المركزي، من أجل إقامة بورصة متخصصة لبيع وشراء الذهب.

    فوجود بورصة للذهب سوف يتيح للمنتج والتاجر الحصول على سعر عادل وشفافية حقيقية في التداول داخل البلاد، الأمر الذي يقلل من دوافع التهريب إلى الخارج، ويضعف نشاط السوق الموازي. كما أن البورصة تربط الأسعار بالأسواق العالمية بصورة مباشرة، بما يضمن سعرًا أقرب إلى القيمة الحقيقية للذهب، ويحمي المنتجين والمشترين من الاستغلال والتلاعب.

    أضف إلى ذلك أن قيام بورصة منظمة سوف يسهم في دخول حصائل الصادر عبر القنوات المصرفية الرسمية، مما يدعم الاقتصاد الوطني، ويقوي احتياطي العملات الأجنبية، ويجنب البلاد شرّ رهن الذهب لدى البنوك الخارجية.

    غير أن الحديث عن الذهب لا ينبغي أن يتوقف عند المعدن اللامع وحده، فهناك أيضًا “الذهب الأبيض”؛ القطن السوداني الذي كان يومًا عماد الاقتصاد الوطني، ومصدر فخر السودان في الأسواق العالمية، وهي حكاية أخرى تستحق أن تُروى للأجيال.

    ولنا عودة، بإذن الله، للحديث عن الذهب الأبيض… ذلك الكنز الذي ينتظر من يعيد إليه الحياة.