حوار مفتوح حول الإصلاح الإقتصادي والمؤسسي (4)

  • بتاريخ : 20 أبريل، 2026 - 11:54 ص
  • الزيارات : 57
  •  

    في الرد على الخبير المصرفي الاخ عمر سيد أحمد: العقد الاجتماعي مدخل لإعادة بناء الدولة السودانية.

    بقلم / بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم
    “محافظ بنك السودان السابق”

    في رده بعنوان “قراءة في طرح البروفيسور بدر الدين إبراهيم حول الهوية والإصلاح المؤسسي” على مقالي السابق بعنوان “من أفكار روسو إلى الواقع السوداني: هل يمكن بناء دولة الاستقرار والثقة عبر المؤسسية المحلية دون الرؤى العالمية؟”، والذي استشهدت فيه بتجربة البحرين كنموذج محلي لبرلمان فاعل يتوافق مع القيم والعادات في تلك المملكة، أشار الخبير المصرفي عمر سيد أحمد إلى أن البحرين لا تصلح نموذجًا للتكييف المحلي في السودان، بحكم خصوصية سياقها المتمثل في صغر الحجم، والثروة النفطية، والتركيبة المجتمعية المختلفة جذريا عن السودان. كما أوضح أن جوهر الإصلاح المؤسسي ينبغي أن ينصرف إلى الحوكمة والنظم لا إلى الأشخاص، وأن المثال المطروح قد يتعارض جزئيا مع روح الإصلاح المؤسسي التي يدعو إليها الحوار. وأشار أيضا إلى أن الدعوة إلى “الأعراف السودانية” تظل غير مكتملة ما لم يتم تحديدها بدقة، فالسودان بلد شديد التنوع، وما يعد عرفا راسخا في دارفور قد لا يكون كذلك في الخرطوم أو في مناطق البجا والنوبة، مما يثير سؤالًا مشروعًا حول أي الأعراف يمكن أن تشكل أساسًا للنموذج المنشود.

    وفي الحقيقة، فإن مثال البحرين لم يطرح باعتباره نموذجا قابلا للنقل إلى السودان، للأسباب الموضوعية التي ذكرها الأخ عمر، وإنما أوردته للتدليل على أن النموذج الإصلاحي لا ينبغي أن يقوم على الاستنساخ، بل على الابتكار والتكييف المحلي كما حدث في البحرين، وكان الغرض منه تقريب الفكرة لا الدعوة إلى استنساخ التجربة. وما أراه جوهريا في نهاية المطاف هو التوافق على عقد اجتماعي سوداني يراعي الخصوصيات الوطنية والتنوع الثقافي والاجتماعي الذي أشار إليه الأخ الخبير المصرفي عمر سيد أحمد.

    العقد الاجتماعي مفهوم فلسفي وسياسي يعبر عن الاتفاق الضمني أو الصريح بين أفراد المجتمع والدولة حول كيفية تنظيم الحياة العامة وتوزيع السلطة والحقوق والواجبات. وهو في مضمونه اتفاق أساسي بين الدولة والمجتمع يحدد حقوق وواجبات كل طرف، بحيث يلتزم المواطنون بالقوانين مقابل التزام الدولة بتوفير الأمن والعدالة والخدمات. ويقوم هذا العقد على المواطنة المتساوية والعدالة والشرعية والاستقرار، ويعد أساس قيام الدولة وتنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع.

    موضوع العقد الاجتماعي في السودان، أو كما أطلق عليه المرحوم السيد الصادق المهدي “بلم الشمل”، أصبح محورًا لنقاش واسع في الاونة الأخيرة بين عدد من المفكرين والسياسيين والباحثين، كمدخل لإعادة بناء التوافق الوطني وإدارة التنوع السوداني ضمن رؤية سياسية جامعة. من أبرز من تناولوا هذا المفهوم أو طرحوا أفكارًا قريبة منه في السياق السوداني مثل بروفيسور عبد الله، بروفيسور علي إبراهيم، حسن مكي وبروفيسور احمد حسن الجاك وغيرهم كثر. بشكل عام، الفكرة أصبحت موضوعا جماعيا للنقاش الفكري والسياسي في السودان أكثر من كونها حكرا على شخص واحد، خصوصا في ظل الأزمات المتكررة والحاجة إلى إعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة.

    لست من المتخصصين أو الناشطين في العمل العام أو السياسي، غير أن ارتباط مفهوم العقد الاجتماعي بالإصلاح الاقتصادي والمؤسسي هو ما دفعني إلى تناول هذا الموضوع. لمعالجة مسالة الهوية والاصلاح المؤسسي في السودان نرى أهمية صياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية والعدالة والشراكة، والشراكة الحقيقية بين جميع مكونات المجتمع دون إقصاء أو تهميش بما يسهم في إعادة تأسيس الدولة وتحقيق الاستقرار. وينتظر أن يشكل هذا العقد أساسا لعلاقة متوازنة بين الدولة والمجتمع، بما يسهم في إعادة تأسيس الدولة على أسس أكثر رسوخاً، وتعزيز الوحدة الوطنية التي تضعضعت، وترسيخ الاستقرار السياسي والاجتماعي، وتهيئة البيئة اللازمة للتنمية المستدامة. ويعد العقد الاجتماعي أيضا مدخلًا مهمًا لتحقيق الاستقرار السياسي عبر اتفاق وطني على قواعد الحكم، ويعزز سيادة القانون والمؤسسات. كما يساهم في دعم الانتقال نحو دولة أكثر شمولا ًوعدالة، قادرة على معالجة جذور النزاع والأزمات وبناء مسار تنموي مؤسسي مستدام

    تنبع أهمية العقد الاجتماعي في السودان في الوقت الحالي من كونه إطارًا ضروريًا لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع في ظل الأزمات السياسية والصراعات المتكررة. فهو يساعد على إعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية بعيدًا عن الانقسامات القبلية أو الجهوية، كما يوفر أساسًا لتوزيع عادل للسلطة والثروة والخدمات. المطلوب في المرحلة القادمة في السودان هو الانتقال من النقاش النظري إلى توافق وطني شامل يترجم إلى عقد اجتماعي واضح، يعيد بناء الدولة على أسس مؤسسية تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون. ويشمل ذلك إصلاح المؤسسات، معالجة قضايا الهوية والتنوع، تحقيق العدالة في السلطة والثروة، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع بما يضمن الاستقرار والتنمية المستدامة المرتبطة بالمؤسسية.