حوار مفتوح حول الإصلاح الاقتصادي والمؤسسي (3)

  • بتاريخ : 20 أبريل، 2026 - 11:51 ص
  • الزيارات : 9
  •  

    تعقيب على مقال المستشار المالي الاستاذ عمر سيد أحمد

    بقلم / الطيب مضوي شيقوق

    المحامي- المستشار القانوني- الخبير في قوانين الاوراق المالية

    النص الذي كتبه الاخ الأستاذ عمر سيد أحمد يتسم بقدرٍ عالٍ من الاتزان التحليلي، خاصة في تفكيكه للإشكال بين الهوية والمؤسسية، غير أن ملاحظته المتعلقة بـ “تعليق الأعراف السودانية ما لم تُحدَّد” — رغم مشروعيتها — تحتاج إلى استكمال من زاوية قانونية أدق، تتعلق بوظيفة العرف ذاته كمصدر من مصادر التشريع.

    فالإشكال، في تقديري، لا يكمن في غياب “عرف سوداني موحّد”، بل في تصورٍ ضمني مفاده أن التشريع لا يستقيم إلا على أساس عرفٍ واحد جامع. وهذا التصور لا يسنده تاريخ القانون ولا فلسفته ؛ إذ إن العرف، بطبيعته، محلي ومتعدد، ويكتسب قوته لا من شموليته، بل من استقراره داخل بيئته الاجتماعية.

    وعليه، فإن التنوع الذي أشار إليه الزميل عمر — بين دارفور والشرق والشمال — ليس عقبة أمام التأسيس التشريعي، بل هو مادة أولية له. فالقانون الحديث لا يُلغي الأعراف المتباينة، وإنما يقوم بعملية انتقاء وتقنين، يستخلص من خلالها القواعد التي تتوافر فيها شروط العرف القانوني: الاستقرار، والاطراد، والشعور بالإلزام، ثم يُخضعها لميزان النظام العام.

    ومن هنا، فإن السؤال الأدق ليس: أيّ الأعراف نعتمد؟
    بل: كيف نحوّل هذا التعدد إلى قواعد قانونية قابلة للتطبيق؟

    وفي هذا الإطار، يمكن تصور مسار عملي يردم الفجوة التي أشار إليها النص:

    أولاً، التمييز بين مستويات العرف:
    أعراف تنظيمية (مثل إدارة الموارد أو التعايش المحلي)
    أعراف إجرائية (مثل طرق حل النزاعات)
    أعراف قيمية (كالصلح، والتكافل، والوساطة)
    وهذه المستويات لا تُدمج بنفس الطريقة، بل لكلٍ منها مجاله التشريعي.

    ثانيًا، إدماج العرف في بنية الحوكمة لا على هامشها:
    فبدل أن تبقى الأعراف في فضاء موازٍ، يمكن استيعابها ضمن أدوات الحوكمة نفسها، كأن يعترف بآليات الصلح الأهلي كوسيلة بديلة لتسوية النزاعات، أو يُمنح دورٌ للقيادات المجتمعية في الرقابة المحلية، مع إخضاعها لمعايير الشفافية والمساءلة.

    ثالثًا، توحيد المعايير لا الأعراف:
    الدولة لا تحتاج إلى توحيد الأعراف، بل إلى توحيد النتائج التي يجب أن تحققها: عدالة، شفافية، وعدم تعسف. أما الوسائل، فيمكن أن تبقى متعددة ما دامت تؤدي إلى هذه الغايات.

    أما التخوف الذي يمكن أن يُفهم من النص — وهو أن التعدد قد يؤدي إلى تفتيت المؤسسية — فهو تخوف معتبر، لكن علاجه ليس في إقصاء العرف، بل في تقنينه ضمن إطار وطني ضابط، يجعل منه مصدرًا مكمّلًا، لا بديلًا عن التشريع.

    وخلاصة القول: إن ما طرحه الأخ عمر من تساؤل حول تحديد الأعراف يمثل خطوة مهمة، لكنه يحتاج إلى نقلة إضافية من سؤال “التحديد” إلى منهج “التوظيف”. فالأعراف القومية، في بلد كالسودان، لا تُبنى بالاختيار الانتقائي المجرد، بل بإعادة صياغة التنوع نفسه في قالب قانوني مرن، يجعل من الهوية مصدرًا للشرعية، ومن الحوكمة أداة لتنظيمها، لا لإلغائها.
    لك مني أطيب الأمنيات