بَيْنَ كَوْنيّةِ المَبْدَأِ وخُصُوصِيّةِ الوَاقِع: هَنْدَسَةُ “المُؤسسيةِ الهَجِينة” فِي السُّودَان

  • بتاريخ : 20 أبريل، 2026 - 10:52 ص
  • الزيارات : 19
  • ​بقلم /  الدكتورة وعد علي الرضي محمد خالد

    “كاتبة – طبيبة أسنان”

    ​بين يدي هذا المَعينِ الفكريِّ الدافق الذي أفاض به سعادة البروفيسور بدر الدين إبراهيم، وعقّب عليه بحصافةٍ معهودة أستاذنا المستشار عمر سيد أحمد، أجدني أقفُ وقوفَ المسترشدِ بضياءِ عقولكم. وإنني، إذ أستأذنُ مَقامكم الرفيع لأضعَ بين أيديكم خَواطرَ ابنةٍ من جيلِ الشباب، فما ذاك إلا تلمُّساً لطريقِ الوعي، وطمعاً في أن تُقوّموا مَساري إن زلّ به الفهم، أو تُبارِكوه إن وافقَ الصواب؛ فبإرشاداتكم نُضيءُ ظُلَمَ الدُّروب، وبحكمتكم نَسلكُ مَواطنَ الرشاد.
    ​لقد استوقفني هذا الاشتباكُ المعرفيُّ الراقي حول “هوية النموذج الإصلاحي”، وأرى –بمنظورٍ يملؤه التفاؤلُ المشوبُ بالحذر– أنَّ الانعتاقَ من ثنائية (التقليد المَحض) أو (الابتكار المنقطع عن الجذور) هو طوقُ النجاة. لذا، ومن شُرفةِ التطلعاتِ الشبابية، أطرحُ بين أيديكم هذه المقترحات كـ “رؤيةٍ للمُدارسة”، باحثةً في كنفِ علمكم عن مدى واقعيتها:
    ​أولاً: “مُختبراتُ الحوكمةِ المحلية” (نحو قوننةِ العُرف)
    ​أقترحُ –تحت إشرافكم– فكرةَ “توطينِ التشريع”؛ بحيثُ لا نكتفي باستيرادِ اللوائح، بل نُشكّل لجانًا فنية تدمجُ خبراء الإدارةِ برموز المجتمع. والتعليلُ في ظني، أنَّ القوانين التي تَمتحُ من وجدان الناس هي الأقل كلفةً في التنفيذ، والأكثر صموداً أمام الهزات؛ فالمواطن حين يرى في المؤسسة “وجهَهُ وقيمَهُ”، سيغدو حارساً لها لا عَبئاً عليها.
    ​ثانياً: “أنسنةُ النظمِ المالية” (استثمارُ الوجدانِ التكافلي)
    ​في ظلِّ الأزماتِ الاقتصادية، أتساءلُ: هل يمكننا تطويرُ منتجاتٍ ماليةٍ رقمية تعتمدُ “النفيرَ الإستراتيجي” أو “التكافلَ المطور”؟ إنَّ جيلنا يطمحُ لمؤسساتٍ لا تخاطبُ الجيوبَ بلغةِ الأرقامِ الجافة فحسب، بل تستقطبُ الكتلةَ النقديةَ المجتمعية عبر مخاطبةِ “قيمةِ المروءة” التي جُبلنا عليها، وبذلك نَردمُ الفجوةَ بين الرسميِّ والشعبي.
    ​ثالثاً: “المُواءمةُ التجريبية” (التوطينُ المتدرج لا الإسقاطُ الفوري)
    ​لعلي أرى أنَّ أيَّ مبدأٍ كونيٍّ يُرادُ تبنيه، يجبُ أن يمرَّ بمرحلةِ “المُختبرِ الولائي” قبلَ التعميمِ القومي؛ لكي نتمكنَ من قياسِ تفاعلِ “الأعرافِ المحلية” معه وتعديلِ مساراته. فالإصلاحُ المؤسسيُّ في نظري هو “كائنٌ حيّ” ينمو بالتدريجِ والتكيف، لا “آلةٌ” تُركبُ بضغطةِ زر.
    ​أساتذتي الكرام..
    إنني أطرحُ هذه الرؤى وكلي خجلٌ أمامَ بَحرِ علمكم، سائلةً المولى أن أكونَ قد قاربتُ سدادَ الرأي. فأنتم المناراتُ التي نقتفي أثرها، ومنكم ننتظرُ التوجيهَ لنحملَ المشعلَ ونمضي به نحو مستقبلٍ سودانيٍّ خالص؛ فبكم نستبصرُ الخُطى، ومعكم نُشيّدُ مَمالكَ الحلمِ على قواعدِ الواقع.
    ​دمتم لنا ذُخراً، ودامتْ عقولكم مَشرقاً للضياء.