حوار مفتوح حول مسار الإصلاح الاقتصادي والمؤسسي..شيقوق يعقب على البروف بدر الدين

  • بتاريخ : 20 أبريل، 2026 - 9:16 ص
  • الزيارات : 50
  • تعقيب على محافظ بنك السودان السابق ، بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم

    بقلم / الطيب مضوي شيقوق

    “المحامي و المستشار القانوني، و الخبير في قوانين الأوراق المالية”

    في تعقيبي على ما تفضّل به الأخ البروفيسور بدر الدين عبد الرحيم، محافظ بنك السودان السابق، حول مقالنا الموسوم بـ”كسر حلقة إدمان الفشل”، أودّ أن أعبّر عن تقديري لهذه القراءة المتبصّرة التي لامست جوهر الإشكالية، إذ وضعت يدها على حقيقة أن أزمة السودان ليست أزمة سياسات عابرة، بل هي في أساسها أزمة بنية مؤسسية تحتاج إلى إعادة بناء على قواعد راسخة من الشفافية والمساءلة.

    غير أن هذا التشخيص، على أهميته، لا يكتمل إلا بالانتقال إلى سؤال التنفيذ؛ فالتحدي الحقيقي لا يكمن في إدراك طبيعة الأزمة أو رسم معالم الإصلاح فحسب، بل في القدرة على تحويل هذه الرؤية إلى واقع عملي. وهنا تبرز فجوة التنفيذ بوصفها العقبة الأبرز، إذ يتطلب تجاوزها إرادة سياسية جادة، وتوافقًا وطنيًا واسعًا، واستعدادًا لتحمّل كلفة الإصلاح في مراحله الأولى.

    وفي هذا السياق، أرى أن مسار الإصلاح الاقتصادي والمؤسسي لا يمكن أن يكتمل دون تطوير الإطار التشريعي الحاكم للاستثمار والشراكات، وعلى وجه الخصوص قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص وقانون الاستثمار. فهذان القانونان يمثلان الأداتين الأكثر حساسية في خلق بيئة جاذبة لرأس المال، وضمان انسياب الاستثمارات المحلية والأجنبية نحو القطاعات الإنتاجية والخدمية.

    إن تطوير هذين القانونين ينبغي أن يتجاوز الطابع الإجرائي التقليدي، ليعالج قضايا جوهرية تتعلق بتوزيع المخاطر بين الدولة والمستثمر، وضمانات الاستقرار التشريعي، ووضوح آليات فضّ النزاعات، وتبسيط الإجراءات، بما يجعل بيئة الاستثمار أكثر شفافية وفاعلية. كما أن تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص لم يعد خيارًا تكميليًا، بل أصبح ضرورة لإعادة بناء البنية التحتية وتحسين كفاءة الخدمات العامة دون إرهاق ميزانية الدولة.

    وفي موازاة ذلك، يظل التحول المنهجي للشركات العائلية إلى شركات مساهمة عامة مدرجة في سوق الأوراق المالية أحد المسارات الجوهرية للإصلاح، لما له من دور في ترسيخ الحوكمة وضمان استدامة هذه الكيانات عبر الأجيال، في ظل ما تواجهه من تحديات الانتقال من الجيل المؤسس إلى الأجيال اللاحقة.
    كما أن هذا التحول لا ينفصل عن التوجه العالمي نحو تقليص الدور التشغيلي المباشر للدولة في المؤسسات الخدمية، عبر الخصخصة أو الشراكات الاستراتيجية، مع احتفاظ الدولة بحصص مؤثرة تمكّنها من حماية المصالح السيادية، خاصة في القطاعات المرتبطة بالأمن القومي أو الموارد الحيوية. وهو نموذج يحقق توازنًا بين الكفاءة الاقتصادية ومتطلبات السيادة.

    ولا يكتمل هذا المسار دون تعميق سوق الأوراق المالية وتطوير أدواته، من خلال:

    تفعيل صناديق الاستثمار كآلية لتجميع المدخرات وتوجيهها نحو الاستثمار المنتج،

    التوسع في إصدار الصكوك لتمويل المشروعات الكبرى والبنية التحتية، واستحداث أدوات مالية حديثة تعزز عمق السوق وتزيد من قدرته على جذب الاستثمارات.

    إن هذه المنظومة المتكاملة من الإصلاحات التشريعية والمالية تمثل الأساس الحقيقي للانتقال من اقتصاد قائم على المبادرات الفردية إلى اقتصاد مؤسسي مستدام.

    ختامًا، فإن ما طرحه أخي البروفيسور بدر الدين يمثل إضافة فكرية مهمة لهذا النقاش، غير أن التحدي الأكبر يظل في تحويل الرؤية إلى أدوات تنفيذ عملية، عبر بنية تشريعية حديثة ومتكاملة، حتى لا تبقى الإصلاحات حبيسة الإطار النظري.

    والله من وراء القصد.