من دفاتر الزمن الجميل…رحلة العمر ومشوار السنين (8)

  • بتاريخ : 18 أبريل، 2026 - 7:54 ص
  • الزيارات : 22
  • بقلم /الطيب مضوي شيقوق 
    “كاتب – روائي – محامي”

    الحلقة الثامنة:

    مواسم العزلة… معاناة مواطني ريفي الدندر بين الخريف وندرة الجسور وتباعد الخدمات

    لا يأتي الخريف في الدندر بوصفه موسمًا للغيث والنماء فحسب، بل ظلّ—ولا يزال—يحمل وجهًا آخر للحياة؛ وجهًا تتعمّق فيه العزلة كلما اشتدّ المطر، وتنكشف فيه محدوديةُ الخدمات حين تُختبر على امتداد المكان. ومع كل موسم، يجد إنسان الريف نفسه عالقًا بين فيض الطبيعة وضيق الوسيلة، في معادلةٍ قاسيةٍ تتكرر دون أن تحظى بالحلول الناجعة من قبل المسؤولين.

    ومع تزايد هطول الأمطار، تتشعّب الأودية وتفيض مجاري السيول، فتغدو الطرق الترابية أوحالًا تعيق السير، وتتحوّل المسافات القصيرة إلى رحلاتٍ شاقّة. عندها تنقطع وشائج الحياة اليومية، فيتعذّر الوصول إلى المرافق الصحية، ويتعثر انتظام التعليم، وتضيق سبل المعاش.

    وتتجلّى بوضوحٍ مسألة تمركز الخدمات في مدينة الدندر، ولا سيما الخدمات الصحية، حيث تظل المرافق الحيوية محصورةً في المركز، فيما تنتشر القرى على مساحاتٍ مترامية تفتقر إلى الحد الأدنى من التغطية الخدمية. وهكذا تتسع فجوة الوصول كلما ابتعدت القرى، ويصبح المرض في بعض الأحيان رهين المسافة لا رهين الدواء.

    وفي موسم الخريف على وجه الخصوص، تتفاقم هذه المعاناة مع غياب الجسور على مجاري السيول، فتُغلق السبل بين القرى، ويتحوّل العبور إلى مخاطرةٍ غير مأمونة أو انتظارٍ مرهقٍ حتى تنحسر المياه، بما يفضي إلى تعطيل مصالح الناس وإرباك تفاصيل حياتهم.
    أما نهر الدندر، الذي يقسم قرى المنطقة إلى ضفتين؛ غربيةٍ وشرقية، فقد أصبح—على ما فيه من حياةٍ وخير—حاجزًا إضافيًا تتعاظم آثاره في موسم الخريف، حين يرتفع منسوبه وتتسع مجاريه، فيتعذر العبور إلا عبر جسرٍ وحيدٍ يعود إلى أوائل القرن العشرين، لا يفي بحاجة الناس ولا يواكب اتساع العمران.

    ويتحوّل عبور الخيران، ولا سيما خور ود الحسن بالضفة الشرقية لنهر الدندر ، إلى معاناةٍ متجددةٍ في كل موسم خريف؛ ذلك الخور الذي طالما وُعِد الناس بحلٍّ جذريٍّ لمشكلته قبل عقود، غير أنّ الوعود لم تتجاوز حدود القول، إلا محاولةً يتيمة أُنفقت فيها الأموال لتشييد جسرٍ عليه، سرعان ما انهار، بل تحوّل إلى ما يشبه السدّ، فكان سببًا في إغراق مساحاتٍ زراعيةٍ واسعةٍ حوله، وزاد من تعقيد المشهد بدل أن يخفّفه.

    ومنذ ذلك الحين ظلّ الوضع على حاله، حتى اضطرّ المزارعون إلى اللجوء للعبّارات البدائية لعبور المياه، من أجل الوصول إلى مشاريعهم الزراعية في الضفة الشرقية لنهر الدندر، في مشهدٍ يلخّص حجم المشقة التي يفرضها الخريف حين تغيب الحلول الدائمة وتُترك البنية التحتية رهينة الزمن والتآكل.

    كما تتأثر الإنتاجية أيضًا ببُعد المشاريع الزراعية عن مراكز الخدمات، وما يترتب على ذلك من صعوبةٍ في الإمداد والمتابعة والتنقل، الأمر الذي ينعكس مباشرةً على كفاءة العمل الزراعي واستقراره في مواسم الحصاد.

    أما أهلنا، من العرب الرُّحّل، فذلك بابٌ آخر من معاناةٍ متراكمة، تتداخل فيه الجغرافيا مع التحولات في أنماط استخدام الأرض. إذ يجد هؤلاء الرحّل أنفسهم في مواجهة تضييقٍ متزايد على مسارات الرعي التقليدية، نتيجة تمدد المشاريع الزراعية أو تغولها على تلك المسارات، مما يؤدي إلى احتكاكاتٍ متكررة، كثيرًا ما تُفضي إلى فتح بلاغات في مواجهتهم، بدل معالجة جذور المشكلة وتنظيم العلاقة بين النشاطين الزراعي والرعوي بصورةٍ عادلةٍ ومتوازنة.

    إنها صورةُ منطقةٍ تفيض خيراتها، لكن تظل طرقها ومعابرها شاهدةً على فجوةٍ بين الإمكان والواقع؛ وصورةُ إنسانٍ يواصل الحياة بين الماء والعطش، بين الوفرة والعزلة، منتظرًا أن يأتي يومٌ تُردم فيه هذه الفجوات، وتصبح المواسم أكثر رحمةً بالناس لا أكثر امتحانًا لهم.