وزير التخطيط العمراني الأسبق يواصل التعليق على رواية:” دفاتر من الزمن الجميل”

  • بتاريخ : 16 أبريل، 2026 - 11:52 م
  • الزيارات : 8
  • حين تتكامل مدارس التكوين… من الأرض إلى الحرف إلى الإنسان

    بقلم / المهندس الإمام عبد اللطيف الإمام

    ما خطّه قلم المستشار الطيب شيقوق في هذه الحلقات الثلاث، ( ٤-٥-٦ ) يتجاوز حدود السرد الجميل إلى بناء رؤية متكاملة عن كيفية تشكّل الإنسان في بيئةٍ صادقة، لم تُفسدها التعقيدات، ولم تُشوّهها القطيعة مع الجذور. نحن هنا لا نقرأ ذكريات، بل نقرأ “سيرة تكوين” تُكتب على مهل، كما تُزرع الأرض… حبةً حبة.

    في الحلقة الرابعة، تتجلّى “مدرسة الأرض” بوصفها الأصل الأول لكل معرفة حقيقية. ليست الزراعة هنا مجرد نشاطٍ معاشي، بل هي فلسفة حياة كاملة؛ فيها يتعلّم الطفل معنى المسؤولية دون تلقين، ويكتسب قيمة العمل دون خطب، ويترسخ فيه الصبر كقانونٍ لا يُناقش. لقد أحسن الكاتب حين جعل من حضور الوالد صامتًا ناطقًا بالفعل، فالصورة التي نقلها لم تكن صورة مزارعٍ فحسب، بل صورة مُربٍ عظيم، يُعلّم أبناءه بميزان الفعل قبل القول.
    ومن أعمق ما ورد في هذه الحلقة، ذلك الربط الخفي بين البكور والبركة، بين النظام الكوني وإدارة اليوم الإنساني… وكأن الرسالة تقول: من يُحسن ترتيب بداياته، يُحسن حصاد نهاياته. كما أن صورة “الطلح” جاءت كرمزٍ بالغ الذكاء، يُجسّد معنى العطاء الصامت، ويكشف أن القيم الكبرى تُمارس دون ضجيج.

    ثم تمضي بنا الحلقة الخامسة إلى “مدرسة الحرف”، لا كبديلٍ عن الأرض، بل كامتدادٍ لها. وهنا تتضح براعة الكاتب في رسم خطٍ متصل بين التجربتين؛ فالأرض علّمت الصبر، والمدرسة جاءت لتمنح هذا الصبر أداة الفهم.
    إن وصفه للحرف الأول، ولرهبة الاكتشاف الأولى، ولنشوة قراءة كلمة دون تلعثم… كل ذلك يعيدنا إلى لحظة الميلاد الحقيقي للوعي. فالتعليم هنا ليس مجرد انتقالٍ من الأمية إلى المعرفة، بل هو انتقالٌ من العفوية إلى الإدراك، ومن البساطة الغريزية إلى الوعي المنظم.
    ولا يفوتنا ذلك البعد الوطني العميق في حديثه عن المعلمين القادمين من أنحاء السودان المختلفة… صورة تختصر وطنًا كاملًا اجتمع داخل فصلٍ صغير. إنها رسالة بليغة مفادها أن بناء الإنسان كان – وما زال – المشروع الحقيقي الذي يمكن أن يوحّد ما فرّقته السياسة.

    أما في الحلقة السادسة، فإن السرد يبلغ ذروته، حيث تتحول التجربة من الخاص إلى العام، ومن الفردي إلى الجمعي. هنا لا نتحدث عن بيتٍ أو أسرة، بل عن “روح مجتمع”. القرية في هذا النص ليست مكانًا، بل منظومة قيم حيّة: التكافل، البساطة، الرضا، والانتماء.
    لقد نجح الكاتب في أن يجعلنا نرى كيف كانت الحياة تُدار بقوانين غير مكتوبة، لكنها أكثر التزامًا من أي لوائح حديثة. في الأفراح، يصبح الفرح جماعيًا، وفي الأحزان، يتوزع الألم حتى يخفّ… وفي الأسواق، لا تُتبادل السلع فقط، بل تُصان العلاقات، وتُجدّد الروابط.
    أما ليالي القرية، فقد قدّمها كمدارس موازية، تنتقل فيها الحكمة عبر الحكايات، وتُغرس فيها القيم دون وعظٍ مباشر… وهي صورة تُحيلنا إلى سؤالٍ عميق: كم فقدنا من هذه المساحات ونحن نظن أننا نتقدم؟

    ما بين هذه الحلقات الثلاث، تتشكل لوحة متكاملة لبناء الإنسان:
    • من الأرض… يتعلم قيمة الجهد والصبر والانتماء،
    • ومن المدرسة… يكتسب الوعي والنظام وأدوات الفهم،
    • ومن المجتمع… يتشرّب القيم التي تمنحه معناه الحقيقي.

    وهنا تكمن قوة هذا العمل… أنه لا يحنّ إلى الماضي بوصفه زمنًا جميلاً فقط، بل يقدّمه كنموذجٍ تفسيري لما نحن عليه اليوم، وما ينبغي أن نكونه غدًا. إنه يضع أمامنا حقيقة واضحة: أن الخلل الذي نعيشه ليس في ندرة الموارد، بل في تآكل منظومة القيم التي كانت تصنع الإنسان قبل أن تصنع الأشياء.

    أستاذنا الطيب… لقد كتبت نصًا يُشبه الزرع الطيب؛ هادئ في بدايته، عميق في جذوره، ممتد في أثره. نصٌ يعيد ترتيب الذاكرة، ويوقظ فينا أسئلةً مؤجلة عن معنى التربية، والتعليم، والانتماء.

    فلك الشكر على هذا الجهد الذي لا يكتفي بسرد الماضي، بل يعيد إليه الحياة… ويمنح الحاضر فرصةً ليتعلّم.

    م.م الإمام عبداللطيف الإمام