بقلم/ د.سعاد فقيري
” مديرة مكتب اتحاد شباب العرب فرع السودان ”
مقدمة:
في توقيت بالغ الحساسية، جاء قرار رئيس الوزراء د. كامل إدريس بإلغاء وكالة التخطيط بوزارة المالية ودمجها ضمن الأمانة العامة للمجلس القومي للتخطيط الاستراتيجي، كخطوة جريئة تعكس إدراكًا عميقًا لاختلالات بنيوية طالما أضعفت كفاءة الدولة في إدارة اقتصادها.
فالواقع لا يحتاج إلى تجميل؛ لقد تحولت مساحات التخطيط خلال السنوات الماضية إلى ساحات مفتوحة لكل من هبّ ودبّ، يتدخل فيها غير المختص، وتُدار أحيانًا بعقلية “الفرص” لا بعلم الاستراتيجيات.
ومع اشتداد الأزمات الاقتصادية، لم يعد خافيًا أن ما يُسمّى بـ”تجار الأزمات” وجدوا في هذا التشتت المؤسسي مدخلًا لتحقيق مكاسب على حساب المصلحة العامة.
من هنا، فإن إعادة ضبط مركز القرار التخطيطي، وتجميعه تحت مظلة واحدة أكثر انضباطًا، يُعد خطوة في الاتجاه الصحيح. فالتخطيط ليس ترفًا إداريًا، بل هو عقل الدولة الناظم، وإذا اختلّ، اختلت معه كل مفاصل الأداء الاقتصادي.
لكن، ورغم أهمية القرار، فإن التأييد المسؤول لا يكتمل إلا بطرح السؤال الأهم:
هل يكفي الدمج الإداري وحده لإصلاح الخلل؟
إن التجربة السودانية، وغيرها من التجارب، علمتنا أن إعادة الهيكلة دون بناء منظومة رقابة صارمة، قد تُعيد إنتاج الأزمة بشكل مختلف.
فالمشكلة لم تكن فقط في تعدد الجهات، بل في غياب الحوكمة، وضعف الشفافية، وتداخل المصالح.
وعليه، فإن هذا القرار يجب أن يُقرأ كـ”بداية إصلاح”، لا نهايته، ويستدعي جملة من الضوابط الأساسية:
وضع معايير واضحة لاختيار الكفاءات داخل المجلس القومي للتخطيط، بعيدًا عن المحاصصة أو الوساطة.
تعزيز مبدأ الشفافية عبر نشر الخطط والسياسات للرأي العام.
تفعيل آليات الرقابة والمساءلة لضمان عدم تحول الكيان الجديد إلى مركز مغلق للقرار.
إبعاد التخطيط عن التأثيرات التجارية والسياسية الضيقة، وترسيخه كعمل علمي مؤسسي.
إن القرار، في جوهره، يعكس رغبة في استعادة هيبة الدولة في إدارة ملفها الاقتصادي، لكن الهيبة لا تُبنى بالقرارات وحدها، بل باستمرار الرقابة، وقوة التنفيذ، ووضوح الرؤية.
ختامًا، نقولها بوضوح:
نعم، هو قرار صائب…
لكن صوابه الحقيقي سيُقاس بقدر ما يُفتح معه باب المحاسبة، لا بقدر ما يُغلق من أبواب.
فالدولة التي تُحسن التخطيط، هي الدولة التي تُحسن مراقبة من يخطط.











إرسال تعليق